professions judiciaires et juridique
موقع يعنى بمسائل القانون و المحاماة و القضاء وحدة المهن القضائية و القانونية
.
.

جرائم المخدرات و طرق مكافحتها

جامعة محمد الخامس-السويسي

كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية

بالرباط

 

 

بـحث لـنيل الإجـازة فـي الــحقوق.

 

تحت عنوان:

 

 

 

جرائم المخدرات و طرق مكافحتها

 

من إنجاز الطلبة:                              

-         كورديني مليكة.

-         مساوي رشيدة.

-         موالدة عبد الواحد.                                            الأستاذ المشرف:

                                                               عبد الواحـد شعيـر

 

 

السنة الجامعية: 2002-2001 م

 

 

 

 

 

 

 

السنة الجامعية: 2002-2001 م

 

 

 

 


 

إلى الذين قال فيهما عز من قائل:

»و لا تقل لهما أف و لا تنهرهما و قل لهما قولا كريما و اخفض لهما جناح الذل من الرحمة و قل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا.«

إلى والدي الحنونين إلى من ضحيا من أجلي و سهرا الليالي و مازالا يضحيان إلى من علماني الصبر و تحمل الصعاب في سبيل الوصول إلى النجاح.

إلى أعظم والدين أهدي ثمرة هذا المجهود المتواضع راجيا من الله أن أكون عند حسن ظنهما بي.و أقول لهما أنكما أحسنتما تربيتي و كنتما خير معلم و أستاذ.

إلى جميع إخواني و أصدقائي و أفراد عائلتي الذين شاركوا في إنجاز هذا العمل حتى بجوارحهم و تشجيعاتهم .

إلى كل من أحببتهم في حياتي و بادلوني أحلى مشاعر المودة و الإيخاء أهدي هذا المجهود المتواضع طالبا من الله العلي القدير أن أكون عند حسن ظن الجميع.


 

 

بسم الله الرحمن الرحيم.

» ربـنــا لا تـؤاخـذنــــا إن نـسيـنــا أو أخطـــأنــــا   «

                                        صدق الله العظيم.

 

 

 

 


 

نتقدم بجزيل الشكر و الامتنان لكل من ساهم من قريب أو بعيد و قدم لنا يد المساعدة لتدليل الصعاب أمامنا حتى تمكنا من إنجاز هذا العمل المتواضع.

و نخص بالذكر:

-         الأستاذ المشرف الدكتور "عبد الواحد شعير" الذي لم يبخل علينا بنصائحه و توجيهاته القيمة.

-         خزانة جامعة محمد الخامس.

-         وزارة العدل.

-         المعهد الوطني للدراسات القضائية.

-         المركز الثقافي السعودي.


 

لائـــحة المـــراجـع.

I-                المراجع العامة:

1-     أحمد أبو الروس: مشكلة المخدرات و الإدمان المكتب الجامعي الحديث 1996.

2-     أحمد الخمليشي: شرح قانون المسطرة الجنائية، الجزء الأول، الطبعة الرابعة.

3-     أدوار غالي الذهبي: جرائم المخدرات في التشريع المصري، الطبعة الأولى، سنة 1978.

4-     عبد الحفيظ بلقاضي: محاضرات في القانون الجنائي "جرائم الأشخاص و الأموال"، مكتبة دار الأمان، 2001-2000.

5-     عبد السلام بنسليمان: "مكافحة المخدرات بالمغرب"، دراسة قانونية اجتماعية،       

6-     المستشار عزت حسنين: "المسكرات و المخدرات بين الشريعة و القانون"، الطبعة الأولى 1984.

7-     محمد أوغريس: "جرائم المخدرات في التشريع المغربي"، الطبعة الثالثة 1998.

8-  اللواء محمد فتحي عيد: "جريمة تعاطي المخدرات في القانون المقارن"، دار النشر بالمركز العربي للدراسات الأمنية و التدريب بالرياض، دون سنة.

9-     محمد أديب السلاوي: "المخدرات في المغرب و العالم"، دون طبعة.

10-           أبي عبد الله مالك ابن أنس الأصبحي: "موطأ الإمام مالك".

 

II-             الدوريات:

      1)        المجلات:

1-  المجلة العربية للدفاع الاجتماعي "مكافحة المخدرات و وقاية المدمنين عليها على ضوء التشريع الجنائي المغربي"، عدد 1986-21.

2-     مجلة الأمن الوطني عدد 1981-21.

3-     سلسلة الدفاع الاجتماعي "الوقاية من المخدرات"، عدد 1 سنة 1981.

      2)        الرسائل:

عبد السلام بنسليمان، "مكافحة المخدرات و وقاية المدمنين عليها في القانون الجنائي المغربي" رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، كلية الحقوق بالرباط 1986-1985.


 

 


 

 

(2) تعليقات

نزاعات الأوراق التجارية

إعداد الطالبتين:
                مساوي رشيدة
                               رجاء لكريم 

مقدمة

تعتبر الأوراق التجارية من أهم ما ابتدعه الفكر البشري بعد النقود لتيسير التعامل بين الأشخاص على الصعيد الوطني و الدولي، .فقد لعبت دورا مهما في الحياة التجارية قديما وحديثا، لذلك أولتها مختلف التشريعات و المعاهدات عناية فائقة باعتبارها دولبا من دواليب الاقتصاد.

والأوراق التجارية تعرف تطورا مطردا و متزايدا سواء من حيث شكلها أو من مضمونها، وذلك لأنها أساس المعاملات المصرفية والمالية ، وبالرجوع إلى  مدونة التجارة لسنة 1996 نجدها قد نظمت التعامل بالأوراق التجارية في الكتاب الثالث المواد من 159 إلى 328  من مدونة التجارة ، فهذه تطرقت إلى تعداد الأوراق التجارية في كل من الكمبيالة والشيك و السند لأمر ،إلا أنها لم تعرف المقصود بالأوراق التجارية وكتعريف لهذه الآخرة يمكن القول أنها سندات يتعامل بها بسهوله للوفاء في المعاملات التجارية عوض النقود دون أن تكون لها خصائص النقود .

ورغم ما يحققه التعامل بالأوراق التجارية من إيجابيات تتمثل أساسا في تكريس طابع السرعة والائتمان بالإضافة إلى حماية المتعاملين بها من مخاطر التعامل بالنقود فإن استعمال هذه  الأوراق التجارية لا يخلو من مشاكل ومنازعات تتعلق أساسا بالشكليات والبيانات الأساسية التي يجب أن تتضمنها هذه السندات ،وكذا بالمنازعات المتعلقة بوفاء مقابلها .

فنظرا الأهمية الأوراق التجارية والدور الذي تلعبه في النسيج الاقتصادي فإن الأمر يستدعي تدخل القضاء كلما عرض عليه نزاع لحل الإشكالات الناجمة عن تداول هذه السندات التجارية

 أما عن تدخل القضاء فقد يتعلق الأمر بالنزاع الذي قد ينشأ بين المتعاملين بالورقة التجارية والمتعلقة بتخلف شرط من شروط صحة الورقة التجارية أو باللجوء إلى القضاء قصد استصدار أمر قضائي باستخلاص قيمة الوراقة التجارية جبرا  في حالة عدم  إقدام المدين على وفاتها طواعية.

وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن أهم النزاعات التي يمكن أن تنشأ عن التعامل بهذه الأوراق التجارية ؟

للإجابة على هذا السؤال ارتأينا تقسيم الموضوع إلى مبحثين:

نتناول في المبحث الأول: المنازعات المرتبطة بالبيانات الإلزامية المتطلبة في الأوراق التجارية

ثم في المبحث الثاني مسطرة الأمر بالأداء كضمانة قانونية وضعها المشرع لاستخلاص قيمة الورقة التجارية.             

المبحث الأول: المنازعات المرتبطة بالبيانات الإلزامية المتطلبة في الأوراق التجارية

تنص المادة 9 من مدونة التجارة على أنه:

"يعد عملا تجاريا بصرف النظر عن المادتين 6 و7:

-         الكمبيالة؛

-         السند لأمر الموقع ولو من غير تاجر، إذا ترتب في هذه الحالة عن معاملة تجارية."

من خلال المادة المذكورة أعلاه، فإن الكمبيالة تعد عملا تجاريا بحسب الشكل بغض النظر عن صفة الأطراف المعنية بأمر التوقيع على هذه الورقة التجارية، وعن الغرض الذي من أجله تعاملوا بها، ويتبين أيضا أن السند لأمر يعتبر عملا تجاريا بحسب شكله من دون أي قيد أو شرط آخر بالنسبة للطرف التاجر، وأنه لا يعتبر تجاريا بالنسبة للموقع عليه غير التاجر إلا إذا كان توقيع هذا الأخير على السند مترتبا على معاملة تجارية.

         أما بالنسبة للشيك، فإنه لا يكون تجاريا إلا إذا تم سحبه، أو تظهيره من أجل التداول، أو التوقيع عليه من أجل الضمان الاحتياطي، من طرف تاجر لأغراضه التجارية[1]، لذلك فلا يصح إطلاق وصف الورقة التجارية إلا بالنسبة للأوراق المنظمة بمقتضى مدونة التجارة، وهو ما قررته محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء في القرار الصادر عنها بتاريخ 01-12-98 والذي جاء فيه:

" حيث إن الفقرة الثالثة من المادة الخامسة من القانون المحدث للمحاكم التجارية يعطى لها الاختصاص فيما يخص الأوراق التجارية، والمقصود بها ما نظمته مدونة التجارة في الباب الثالث، إذ نصت على الأوراق التجارية وهي الكمبيالة والسند لأمر والشيك، ونظمت النصوص الواجبة التطبيق بشأنها، وبالتالي فإن الفواتير المتمسك بها لا تدخل ضمن نطاق الأوراق التجارية المذكورة أعلاه، مما يكون معه الدفع غير مرتكز على أساس، ويتعين رده"[2].

         هذا وينبغي التأكيد على أن الاختصاص ينعقد للمحكمة التجارية إذا تعدت قيمة الورقة التجارية 20.000 درهم، بموجب التعديل المدخل على قانون المحاكم التجارية، وبالتالي إذا قلت قيمة الورقة التجارية عن المبلغ المذكور، فالاختصاص يبقى للمحكمة الابتدائية ذات الولاية العامة.

         إن المحكمة التجارية لا تكون مختصة نوعيا للبت في النزاع المتعلق بالأوراق التجارية، إلا إذا توفرت الشروط والبيانات الإلزامية والتي حددها المشرع في مدونة التجارة ليتم وصفها أوراقا تجارية[3] .

لذلك، ومن أجل التفصيل في موضوع البيانات الشكلية المتطلبة في الأوراق التجارية، سنقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب، نخصص الأول للمنازعات المرتبطة بشكليات الكمبيالة، ونتطرق في الثاني للمنازعات المرتبطة بالسند لأمر على أن نتحدث في المطلب الثالث للمنازعات المرتبطة بشكليات الشيك.

المطلب الأول: المنازعات المرتبطة بشكليات الكمبيالة

تجدر الإشارة في البداية إلى أن الكمبيالة منظمة بمقتضى المواد من 159 إلى 333 من مدونة التجارة، وفيما البيانات الإلزامية الواجب توفرها في الكمبيالة، فإن المادة 159 من مدونة 159 من مدونة التجارة تنص على أنه:

" تتضمن الكمبيالة البيانات التالية:

1-   تسمية "كمبيالة" مدرجة في نص السند ذاته وباللغة المستعملة لتحرير؛

2-   الأمر الناجز بأداء مبلغ معين؛

3-   اسم من يلزمه الوفاء (المسحوب عليه)؛

4-   تاريخ الاستحقاق؛

5-   مكان الوفاء؛

6-   اسم من يجب الوفاء له أو لأمره؛

7-   تاريخ ومكان إنشاء الكمبيالة؛

8-   اسم وتوقيع من أصدر الكمبيالة (الساحب)."

وهكذا، فبالرجوع إلى المادة أعلاه، نجد الشكليات والبيانات اللازم توفرها في الكمبيالة، فمجرد توافر الشكل المعين الذي حدده القانون يكفي في هذا الإطار لاعتبار الكمبيالة عملا تجاريا، بصرف النظر عن موضوع هذه الكمبيالة، أو الغرض منها، وبالتالي ينعقد الاختصاص للمحكمة التجارية للبت في المنازعات الناشئة عن عدم احترام الشكليات المتطلبة قانونا، وإذا ما تم احترام هذه الشكليات، فإن الكمبيالة تستمد قوتها التنفيذية من ذاتها بعيدة من السبب الذي أنشئت من أجله، وهذا ما أكده قرار صادر عن المجلس الأعلى[4]، كما أن الكمبيالة المستوفية للبيانات الإلزامية مثبتة للمديونية، ولا جدوى من ادعاء الوفاء بقيمتها إذا لم يدعم بحجج مقبولة[5]، وقد جاء في قرار صادر عن المجلس الأعلى أنه:

" ينشأ الالتزام الصرفي بمجرد التوقيع على الكمبيالة المستجمعة لكافة شروطها الشكلية، ولايجوز للمسحوب عليه أن يحتمي بعدم وجود مقابل الوفاء عند الاستحقاق مادام قد وقع عليها بالقبول"[6].

         وتجدر الإشارة إلى أنه يمكن إثارة شكليات الكمبيالة، أمام المحكمة التجارية، أو محكمة الاستئناف التجارية، إلا أنه لا يمكن إثارة الدفع بعدم احترام شكليات الكمبيالة لأول مرة أمام المجلس الأعلى، وهذا ما أكده العمل القضائي المغربي، حيث اعتبر أن إثارة شكليات الكمبيالة أمام المجلس الأعلى لأول مرة غير مقبول[7].

         وبالنسبة لتقادم الدعاوى الناتجة عن الكمبيالة ضد القابل، فإنها تتقادم بمضي 3 سنوات، ابتداء من تاريخ الاستحقاق تطبيقا للفقرة الأولى من المادة 228، وهذا ما أكده قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بالبيضاء[8]، حيث ورد فيه  أن الكمبيالة تتقادم بمرور 3 سنوات من تاريخ الاستحقاق. بعد أن تطرقنا في المطلب الأول للمنازعات المرتيطة بشكليات الكمبيالة، سننتقل للتطرق في المطلب الثاني للمنازعات المرتيطة بشكليات السند لأمر.

 

 

المطلب الثاني: المنازعات المرتبطة بشكليات السند لأمر

تجدرالإشارة في البداية إلى أن السند لأمر منظم بمقتضى المواد من 232 إلى 238 من مدونة التجارة، وبالنسبة للبيانات الإلزامية الواجب توفرها في السند لأمر، فتنص المادة 232 من مدونة التجارة على أنه:

"يتضمن السند لأمر البيانات الآتية:

         أولا: اشتراط الوفاء لأمر أو تسمية السند بأنه لأمر مدرجا في السند ذاته، ومعبرا عنه بللغة المستعملة لتحريره؛

         ثانيا: الوعد الناجز بأداء مبلغ معين؛

         ثالثا: تاريخ الاستحقاق؛

         رابعا: مكان الوفاء؛

         خامسا: اسم من يجب الوفاء له أو لأمره؛

         سادسا: تاريخ ومكان توقيع السند؛

         سابعا: اسم وتوقيع من صدر عنه السند (المتعهد)."

فالسند لأمر لا يعتبر عملا تجاريا بحسب شكله، إلا إذا توفر فيه شرطان:

         الشرط الأول يتمثل في ضرورة تضمين السند البيانات الإلزامية المحددة في المادة 232 المذكورة أعلاه.

         والشرط الثاني يستوجب أن يترتب توقيع السند لأمر على معاملة تجارية إذا كان من قام بالتوقيع عليه غير تاجر[9]، فالاختصاص ينعقد للمحكمة التجارية للنظر في المنازعات الناتجة عن هذا النوع من الأوراق التجارية، ويتوقف ذلك على توفر الشرطين المذكورين حتى تبت المحكمة التجارية في منازعة أثيرت أمامها تتعلق بشكليات السند لأمر، وفي حالة تخلف هذا الشرط الثاني، فإن الاختصاص ينعقد للمحكمة الابتدائية، وهذا ما أكده قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء[10]، حيث ورد فيه:

" وحيث إنه بخصوص الدفع المتعلق بأن سحب السند لأمر يعتبر عملا تجاريا، وكذا المعاملة القائمة بين الطرفين تطبيقا للفصل 9 من مدونة التجارة، فإنه دفع مردود، لأن الورقة العادية المدلى بها تدعيما للدين لا يمكن إطلاق اسم سند لأمر عليها لعدم توفر الشروط القانونية والبيانات المتطلبة في الفصل 232 من مدونة التجارة، هذا فضلا على أنه إذا كانت المستئنفة تاجرة لأنها شركة مساهمة وذلك طبقا للفصل 1 من قانون رقم 95/17 فإن المستأنف عليه مجرد عامل كما هو ثابت من العقد المدلى به، و لا يوجد بالملف ما يفيد أنه وقع على الوثيقة المدلى بها كسند لأمر لغرض تجاري.

وحيث إنه إذا كانت الفقرة الأخيرة من المادة الخامسة من قانون إحداث المحاكم التجارية تنص على أنه يمكن الاتفاق بين التاجر وغير التاجر على إسناد الاختصاص للمحكمة التجارية فيما قد ينشأ بينهما من نزاع بسبب عمل من أعمال التاجر، فإنه وبمفهوم المخالفة لا يمكن مقاضاة غير التاجر أمام المحكمة التجارية إلا بوجود اتفاق".

هذا ويمكن من طبيعة الحال للمحكمة إثارة عدم الاختصاص النوعي لتعلقه بالنظام العام[11] .

ومن طبيعة الحال، فالسند لأمر المستوفي للبيانات المنصوص عليها في المادة 232 من مدونة التجارة، والموقع عليه بالقبول من طرف المدعى عليه يجعل هذا الأخير ملزما التزاما صرفيا بأداء قيمته، وهذا ما أقره حكم صادر عن المحكمة التجارية بوجدة[12]، وقد صدر عن نفس المحكمة حكما ورد فيه: "المحاكم التجارية تختص للبت في الدعاوى المتعلقة بالأوراق التجارية بغض النظر عن صفة موقعيها وطبيعة الأعمال المسحوبة"[13].

وتجدر الإشارة أخيرا أنه بالنسبة للسند الذي يفقد خصوصيته كورقة تجارية لتقادمه، يصبح سندا عاديا مثبتا للدين، وهذا ما أكده قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء[14].  بعد أن تطرقنا للمنازعات المرتبطة بكل من الكمبيالة والشيك، سننتقل للتطرق في المطلب الثالث للمنازعات المرتبطة بالشيك.

 

 

 

 

 

 

المطلب الثالث: المنازعات المرتبطة يشكليات الشيك

         لم ينص المشرع المغربي على اعتبار الشيك عملا تجاريا على غرار كل من الكمبيالة والسند لأمر، ذلك أن المادة 9 من مدونة التجارة لا تشير إلا لهاتين الورقتين، لذلك فالشيك يعتبر عملا مدنيا في الأصل، بحيث إنه لا يأخذ الوصف التجاري إلا في إطار الأعمال التجارية بالتبعية[15].

         وتجدر الإشارة إلى أن مدونة التجارة نظمت الشيك بمقتضى المواد من 239 إلى 328، وفيما يخص الشكليات اللازم توفرها في الشيك، فتنص المادة 239 من مدونة التجارة علىأنه:

"يتضمن الشيك البيانات التالية:

         أولا: تسمية شيك مدرجة في السند ذاته وباللغة المستعملة لتحريره؛

         ثانيا: الأمر الناجز بأداء مبلغ معين؛

         ثالثا: اسم المسحوب عليه؛

         رابعا: مكان الوفاء؛

         خامسا: تاريخ ومكان إنشاء الشيك؛

         سادسا: اسم وتوقيع الساحب."

فإذا ما تم احترام البيانات الإلزامية المذكورة أعلاه، استمد الشيك قوته التنفيذية بعيدا عن سببه، وهذا ما أكده العمل القضائي المغربي، حيث ورد في قرار صادر عن المجلس الأعلى أن:

" لما كان الشيك الحامل لجميع البيانات الإلزامية يعتبر وظيفيا أداة صرف ووفاء فهو يستحق الأداء بمجرد الإطلاع عليه، وأنه كسائر الأوراق التجارية الأخرى يتميز بخاصية التجريدأي أنه يتداول بعيدا عن سببه.

ولذلك فإن حامله يعتبر دائنا لساحبه بالمبلغ المقيد به دون أن يكون ملوما بأن يبين السبب الذي تسلم من أجله الشيك الذي أرجع إليه بدون رصيد"[16].

         وعلى العموم فإن البيانات المنصوص عليها في المادة 239 من مدونة التجارة، تعتبر بيانات إلزامية، وقد اعتبرت المحكمة التجارية بمراكش أن:

"عم تقديم الشيك للاستخلاص لدى المسحوب عليه يجعل دعوى المطالبة بقيمة الشيك غير مقبولة شكلا"[17]. لكن الإشكال المطروح: هو ما حكم الشيك المخالف للنماذج المسلمة من المؤسسات البنكية أو الذي ينقصه أحد البيانات الإلزامية؟ إنه في هذه الحالة يفقد صبغته كورقة تجارية، ويعتبر سندا عاديا لإثبات الدين إذا توفرت شروط هذا السند، وفي هذه الحالة، يخرج من اختصاص المحاكم التجاربة ويصبح من اختصاص المحاكم العادية[18] .

وينبغي التأكيد أنه إذا توفرت في الشيك الشروط المتطلبة قانونا، يكون البنك المسحوب عليه ملزما بأداء قيمته المحررة بالأحرف عند الاختلاف مع الأرقام، ويتحمل البنك المسحوب عليه مسؤولية عدم الأداء، وهذا ما أكده حكم صادر عن المحكمة التجارية بالرباط[19].

         وبالإضافة إلى كل ما ذكر، فإنه في حالة المنازعة بقيمة ورقة تجارية فإنه يتعين الإدلاء بالأصل، وعند تعذر ذلك، يتعين اللجوء إلى رئيس المحكمة، وهذا ما أقره حكم صادر عن المحكمة التجارية بالرباط[20]، حيث ورد فيه:

"المطالبة بقيمة الورقة التجارية تستلزم الإدلاء بالأصل، وعند تعذره يتعين اللجوء إلى رئيس المحكمة للحصول على نظير".

         بعد أن تطرقنا في المبحث الأول للمنازعات المتعلقة بالبيانات الإلزامية المرتيطة بالأوراق التجارية، سننتقل للتطرق في المبحث الثاني إلى مسطرة الأمر بالأداء باعتبارها وسيلة قانونية للوفاء بقيمة الورقة التجارية.                                                                                                     

 

 

 

المبحث الثاني مسطرة الأمر بالأداء ضمانة قانونية للوفاء بقيمة الورقة التجارية

        

الأصل أن الأوراق التجارية تلعب دورا أساسيا في المعاملات الاقتصادية إلا أنه سرعان ما تنتهي دورة التعامل بهذه الأوراق وذلك بالحصول على مقابلها أي الوفاء بقيمة الورقة التجارية .

وإذا كان الأصل أن يكون الوفاء طواعية، بما أنه يشكل دينا في  ذمة الساحب أو المتعهد فإنه قد يحدث أن يتعنت هذا الأخير في الوفاء الأمر الذي دفع المشرع إلى التدخل وإعطاء الحق في اللجوء على المسطرة القضائية للحصول على مقابل الورقة التجارية عبر سلوك مسطرة الأمر بالأداء [21] .

والأمر بالأداء هو وسيلة تمنح لحائز الورقة التجارية أن يستصدر اعتمادا عليها وفي غيبة خصمه أمرا قضائيا باستيفائها [22]،  والغرض الأساسي من هذه المسطرة هو تمكين الدائن من سند تنفيذي لاستيفاء دينه الذي هو عبارة عن مبلغ مالي في أقصر وقت وبأقل التكاليف [23] ، وكي يتم تحقيق هذه الأهداف التي تعتبر من أهم ركائز المعاملات التجارية ، فقد أعاد المشرع المغربي تنظيم مسطرة الأمر بالأداء بمقتضى القانون المحدث بموجبه المحاكم التجارية [24]، فما هي إذن أهم مميزات هذه المسطرة أمام المحاكم التجارية .

فبالرجوع إلى مدونة التجارة السالفة الذكر نجدها قد نظمت هذه المسطرة بمقتضى مادة وحيدة وهي المادة 22 التي تنص على أنه: يختص رئيس المحكمة التجارية بالنظر في مقالات الأمر بالأداء المبنية على الأوراق التجارية، والسندات الرسمية تطبيقا لأحكام الباب الثالث من القسم الرابع من قانون المسطرة المدنية، في هذه الحالة وخلافا لمقتضيات الفصلين 161-162 من قانون المسطرة المدنية لا يوقف أجل الاستئناف والاستئناف نفسه تنفيذ الأمر بالأداء الصادر عن رئيس المحكمة ، غير أنه يمكن لمحكمة الاستئناف التجارية أن توقف التنفيذ جزئيا أو كليا بقرار معلل .

فالمادة أعلاه تفيد أن الاختصاص ينعقد لرئيس المحكمة التجارية للبت في تأدية مبالغ  مالية وذلك كلما تجاوز المبلغ 1000 درهم مستحق الأداء بموجب ورقة تجارية أو سند رسمي ، والملاحظ أن المشرع باستثناء الفقرة الثانية من المادة 22 من مدونة التجارة التي نصت على أن أجل الاستئناف أو الاستئناف لا يوقف تنفيذ الأمر القاضي بالأداء والذي تقتضيه طبيعة المعاملة التجارية ، فالمادة 22 أحالت على الأحكام لعامة الواردة في قانون المسطرة المدنية ن ومن خلال استقراء الفصول الواردة في الباب الثالث من القسم الرابع من ق م م ، و كذا المادة 22 من المدونة التجارية باعتبارها النص الخاص الوحيد الذي نظم مسطرة الأمر بالأداء أمام رئيس المحكمة التجارية .

وهكذا سنتطرق لشروط الأمر بالأداء المرفوع إلى رئيس المحكمة التجارية ( المطلب الأول ) سواء ما تعلق بالشروط الشكلية ( الفقرة الأولى ) أو الموضوعية ( الفقرة الثانية ) على أن نتطرق في ( المطلب الثاني ) لإشكالية إلزامية محضر الاحتجاج بعدم الوفاء ومدى اعتباره شرطا أساسيا لقبول مقال الأمر بالأداء وفي هذا الصدد اختلفت اتجاهات محاكم المملكة بين القول بإلزامية هذا المحضر لقبول مقال الأمر بالأداء ( الفقرة الأولى ) وبين لاتجاه القائل بعدم إلزاميته ( الفقرة الثانية ).

 

 

المطلب الأول: شروط استصدار الأمر بالأداء

 

إن إصدار رئيس المحكمة التجارية لأمره بأداء المبلغ المالي المستند على ورقة تجارية يتوقف على شروط موضوعية تتعلق أساسا بالدين المطالب به وبشخص المدين (الفقرة الثانية ) وشروط شكلية تخضع في المبدأ للقواعد العامة في التقاضي( الفقرة الأولى).

 

الفقرة الأولى: الشروط الشكلية

 

قبل التطرق للشروط الشكلية لقبول طلب الأمر لابد من التطرق للمؤسسة المختصة بالنظر في هذه الطلبات، فاستنادا إلى المادة 22 من القانون رقم 53-95 يتضح أن رئيس المحكمة التجارية يختص بالنظر في طلبات الأمر بالأداء كلما كان المبلغ المطالب به أزيد من 1000 درهم ومثبت في ورقة تجارية ، إلا أنه وما دامت المادة  22 السالفة الذكر قد أحالت على ق م م بخصوص الأحكام العامة لمسطرة الأمر بالأداء ، فإنه بالرجوع إلى العمل القضائي نلاحظ أن المجلس الأعلى قد استقر على قبول طلبات الأمر بالأداء ممن يعينه رئيس المحكمة ، حيث اتجه في قرار عدد 1017 إلى أن : نائب رئيس المحكمة يحل محله في ممارسة السلطة المخولة له بمقتضى الفصل 158 من ق م م إذا مارس النائب هذه المهام بمقتضى تفويض من رئيسه [25]. ونعتقد أن هذه الإمكانية هي جديرة بالتأييد خاصة أمام كثرة مهام رئيس المحكمة التجارية من جهة، وكثرة إقدام الدائنين على هذه المسطرة مما جعلها من أكثر المساطر تطبيقا أمام المحاكم التجارية إذ تشكل ما يفوق ربع القضايا المسجلة بهذه المحاكم [26]، حيث يمكن القول حسب رأي أستاذنا محمد المجد وبي الإدريسي بأن نجاح المحاكم التجارية مستمد بشكل كبير من هذه المساطر[27] .

وطلب الأمر بالأداء باعتباره يقوم مقام مقال رفع الدعوى، فإنه يجب أن تتوفر فيه مجموعة من الشروط والشكليات التي يترتب على عدم احترامها لحكم بعدم قبول الطلب وهذه الشروط هي:

أ : أن يرفق الطلب بالسند المنبث للدين الذي يجب أن يكون سليما ومس توفيا لكل الشكليات الضرورية ، وهذا الشرط كرسته مجموعة من الاجتهادات القضائية على سبيل المثال حكم المحكمة التجارية بالرباط والذي جاء فيه : إنه بخصوص الأداء في مادة الأوراق التجارية فإن المشرع نظم مقتضياتها بطرق خاصة تستلزم الإدلاء بالأصل ، وعند تعرضه للضياع أو السرقة فإن المشرع نظم مسطرة خاصة منصوص عليها في الفصل 191 م ت للحصول على نظير ثان أو ثالث أو رابع من أمر لرئيس المحكمة وبعد تقديم كفالة وهو ما لم يتم في هذه النازلة [28]. ولذلك صرحت المحكمة بعدم قبول طلب الأمر بالأداء لوجود إخلال شكلي جوهري يتمثل في عدم إرفاق طلب الأمر بالأداء بالسند المتبث للدين، وبالإضافة إلى ضرورة مقال الأمر بالأداء بسند الدين المتبث لصحته والذي تنص عليه الفقرة الأخيرة من الفصل 156 من ق م م ن فهناك بعض المستندات الإضافية عير سند الدين، كما هو الحال عند تقديم المقال من طرف الوكيل إذ عليه الإدلاء بالوكالة، كما أنه في حالة تعدد المدينين فيجب على الدائن أن يرفق مقال الأمر بالأداء بعدد كاف ومساو لعدد المدينين ، فرغم أن المسطرة غير تواجهية إلا أن هذه النسخ تحتاجها كتابة الضبط لتبليغ الأمر بالأداء عند صدوره .

أما بخصوص وثيقة تبليغ الأمر بالأداء ومدى إلزامية إرفاق وثيقة التبليغ بالإضافة إلى نسخة من مقال الأمر بالأداء بسند الدين، فنلاحظ أن العمل القضائي لم ينحو نفس المنحى ، فهناك من الاجتهادات من سارت على عدم إلزامية إرفاق وثيقة التبليغ بسند الدين موضوع الأمر بالأداء وفي هذا المنحى قضى المجلس الأعلى في إحدى قراراته بأنه : ليس من المنطقي أن يبلغ مع الأمر بالأداء سند الدين لما في ذلك من إمكانية تعرضه للضياع وليس في المادة 161 من ق م م ما يوجب ذلك ، بل يكفي أن يتضمن التبليغ إلى جانب ملخص المقال مجرد التعريف بند الدين ، وإذا كان هذا الرأي قد اتجه إلى عدم إلزامية إرفاق التبليغ بسند الدين فإن هناك اتجاها آخر قد اتجه اتجاها معاكسا ، وهو قرار المجلس الأعلى الذي نص : على أن الأمر بالأداء يجب أن يبلغ مع نسخة من سند الدين وإلى كان باطلا وللمستأنف أن يتمسك ببطلانه ويعتبر كأن لم يكن [29]،ونعتقد أن هذا الاجتهاد مصادف للصواب فرغم أن المادة 161 من ق م م تنص على أن : وثيقة التبليغ يجب أن تشمل على نسخة من المقال وسند الدين ..... إلا أن هذا المقتضى من شأنه أن يعرض سند الدين للضياع باعتبار هذا السند قد يكون هو الحجة الوحيدة على وجود الدين محل الأمر بالأداء، وضمانا لحق المبلغ إليه في معرفة سبب نشوء هذا الدين المطالب بأدائه، فإن تبليغه بنسخة من هذا السند المنشئ للدين يكفي في التبليغ و إعلامه.

ب: أن يرفع الطلب بمقال مكتوب موقع عليه من طرف محام طبقا للمادة 13 من قانون المحاكم التجارية، ويتضمن الاسم العائلي والشخصي ومهنة وموطن الأطراف مع البيان الدقيق للمبلغ المطلوب، وقد ثار نقاش كبير حول وجوب الاستعانة بمحام لتقديم مقالات الأمر بالأداء ، فهناك اتجاه لا يرى بهذا الإلزام لمجموعة من الأسباب أهمها كون طلب الأمر بالأداء لا تتصور فيها المسطرة الكتابية التي تقتضي تبادل المذكرات بل هي تمارس في غيبة الخصم وبدون مرافعته ، إلا أنه بالرجوع إلى المادة 31 من قانون المحاماة لسنة  [30]1993 والمادة 13 من القانون المحدث للمحاكم التجارية وكذا الشكل المتطلب في رفع طلب الأمر بالأداء والذي هو ( مقال ) وكذا إلى النماذج التي تعدها وزارة العدل لرفع هذه الطلبات ، يتضح أن طلب الأمر بالأداء يقتضي بالضرورة الاستعانة بالمحامي وهذا هو الاتجاه الذي حضي بتأييدنا لأسباب المستند عليها

ج: أن يكون للمدين موطن معروف بتراب المملكة، ولا يقبل الطلب إذا كان من الواجب تبليغه بالخارج وذلك طبقا للفصل 157 من ق م م

د: إذا كان مقال الأمر بالأداء يرمي إلى التصريح بمديونية الدولة فإنه يتعين إدخال العون القضائي للمملكة، وذلك طبقا للفصل 514 من ق م م، وهذا المقتضى إجراء شكلي جوهري يترتب عن عدم احترامه عدم قبول المقال.

هده الشروط تتعلق بشكليات قبول طلب الأمر بالأداء، فمادا عن الشروط اللازمة للحكم وفق الطلب ؟

 

 الفقرة الثانية:الشروط الموضوعية

 

وجدير بالذكر أنه إذا كان الإخلال بأحد الشروط الشكلية يترب عليه دائما عدم قبول الطلب ،  فان الحكم في حالة الإخلال بأحد الشروط  الموضوعية  يختلف حسب نوع هدا الشرط الموضوعي.

 و الشروط الموضوعية اللازمة للحكم وفق طلب الأمر بالأداء هي كما يلي :

 

أولا: أن تتعلق المنازعة بورقة تجارية :

 

 فادا كانت النزاعات المتعلقة بالكمبيالة والسند لأمر لا تثير أي إشكال فيما يخص اختصاص المحاكم التجارية بتطبيق مسطرة الأمر بالأداء [31]،  فان الشيك يثير إشكالا كبيرا خاصة أمام غياب موقف تشريعي صريح بشأنه [32]، إلا أنه بالرجوع إلى اتجاهات القضاء في هدا الصدد نجد أن المحاكم التجارية سارت على قبول مسطرة الأمر بالأداء في جميع الحالات التي يكون فيها سند الدين ورقة التجارية ،  سواء كانت كمبيالة أو شيكا أو سندا لأمر، وسواء كان المتعامل بها تاجرا أو غير تاجر وفي هدا الصدد اعتبرت محكمة الاستئناف التجارية بمراكش أن: الشيك يعتبر ورقة تجارية وأن اختصاص قاضي الأمر بالأداء بالبت يستند لمجرد وجود هده الورقة التجارية وليس بسبب القيام بعمل تجاري[33]، ورغم ما يحققه هدا الاتجاه من مميزات أهمها توحيد الاختصاص القضائي بشأن استيفاء الأوراق التجارية، فانه لما كان القضاء التجاري يتميز بمجموعة من المميزات و الايجابيات التي وضعت أساسا لحماية فئة معنية من المتعاملين والدين هم التجار ، فانه يتعين على المحاكم التجارية التدقيق في المعاملات التي تتم اعتمادا على الشيك، وعدم البت في هذه الأوامر إلا ادا كان الشيك المثبت للدين قد تم التوقيع عليه من طرف تاجر أو في إطار نظرية التبعية.

ثانيا ثبوت الدين

أي عدم المنازعة في الدين موضوع المطالبة ، وفي هدا الصدد استقر المجلس الأعلى على رفض طلب الأمر بالأداء كلما تبين لقاضي الأمر بالأداء أن الدين منازع فيه، حيث ذهب [34]إلى أنه  بمقتضى الفصل 158 من ق.م.م. فإنه إذا اتضح للمحكمة أن الدين منازع فيه رفضت الطلب وأحالت الأطراف على المحكمة المختصة فيه تبعا للإجراءات العادية، أما بخصوص النزاع في مقابل الوفاء فيمكن أن يتخذ عدة صور، كما إذا تمت المطالبة بإجراء خبرة على الشيك سند الأمر بالأداء مثلا لادعاء التزوير، وهو ما يكون منازعة جدية تفقد قاضي الأمر بالأداء اختصاص البت في هذه الطلبات، وفي هذا الاتجاه اعتبر المجلس الأعلى أن : قاضي الأمر بالأداء يطبق مسطرة استثنائية لا يختص بالنظر فيها إلا إذا كان الدين ثابتا لا نزاع فيه، أما إذا كان سند الدين كمبيالة وكان مقابل الوفاء محل نزاع فحينئذ يرفع الأمر إلى قاضي الموضوع [35].

 هناك شرط آخر يتعلق بكون موضوع الطلب مبلغا ماليا* ف 155 ق.م.م * وهدا الشرط لا يثير في الواقع العملي أي إشكال على اعتبار انه ما دامت اختصاصات المحاكم التجارية ترتبط أساسا بالمعاملات التجارية المالية فان طلبات الأمر بالأداء تتعلق أوتوماتيكيا بأداء مبالغ مالية، وفي هدا الصدد نلاحظ أن هذه المسطرة في التشريع المغربي تختلف عن نظيرتها في التشريع الفرنسي، فهذا الأخير عمد إلى إمداد مسطرة الأمر إلى الأمر بالقيام بعمل أو تسليم منقول بنوعه أو مقداره [36].

نفس الاتجاه سار عليه المجلس الأعلى أيضا في قرار آخر قضى فيه أن سند الدين الذي أصبح محل نزاع بين الطرفين يحول معه على المحكمة في نطاق مسطرة الأمر بالأداء أن تبت فيه وكان عليها أن تطبق الفصل 158 من ق.م.م. وحيث لم تفعل اعتبر معه قرارها ناقص التعليل الذي يوازي عدمه ويعرضن بالتالي للنقض [37].

 

ثالثا أن يتجاوز المبلغ المالي ألف درهم

 ينص الفصل 155 من ق.م.م. المحال عليها بالمادة 22 من القانون المحدث للمحاكم التجارية على أن سلوك مسطرة الأمر بالأداء يجب أن يكون في طلب تأدية مبلغ مالي يتجاوز ألف درهم ، و تحديد اختصاص رئيس المحكمة التجارية في هدا المبلغ أمر بديهي ، حتى لا يتم التطاول على اختصاص محاكم الجماعات و المقاطعات، وجدير بالذكر أن أصل الدين وحده المعتمد في تحديد هدا الاختصاص.

أما الصوائر والمصاريف القضائية و أي مصاريف أخرى فإنها لا تدخل في احتساب الاختصاص النهائي وذلك تطبيقا للقاعدة المنصوص عليها في الفصل 11 من ق.م.م. الذي يحدد الاختصاص النهائي استنادا إلى الطلب المجرد.

رابعا أن يكون الدين المثبت في الورقة التجارية مستحقا

يجب أن يكون الدين الذي يطالب به الدائن مستحقا ، أي حال الأجل ولا يكون معلقا على شرط أو مرتبط بأجل، فالدائن في هذه الحالات لا يحق له إجبار المدين على الوفاء بهذا الدين إلا إذا تحقق الشرط أو حل الأجل أو وقع التنازع في الدين. إلا أنه قد يكون الدين مستحقا ومع ذلك لا يأمر رئيس المحكمة التجارية بالأداء و ذلك في حالة افتتاح مسطرة معالجة صعوبات المقاولة في حق المدين ، حيث تتوقف أو تمنع المتابعات القضائية [38].

 

 تلك إذن مجموعة الشروط الشكلية و الموضوعية لاستصدار الأمر بالأداء و التي    يترتب عن عدم توافرها حسب الحالات إما عدم قبول الطلب- الشروط الشكلية- أو رفض الطلب – الشروط الموضوعية-.

 

المطلب الثاني : مدى إلزامية محضر الاحتجاج بعدم الدفع لقبول طلب الأمر بالأداء

لقد حرص المشرع المغربي على حماية التعامل بالأوراق التجارية ، وذلك لتحفيز اللجوء إلى اعتماد هذه التقنيات نظرا لما تحققه من إيجابيات في المعاملات التجارية ، إلا أنه بالرجوع إلى مدونة التجارة ، نلاحظ ان الشيك وحده ينفرد عن باقي الأوراق التجارية الأخرى بنظام زجري ، وذلك في المواد من 302 إلى 322 من مدونة التجارة  ، ولكون موضوعنا يتعلق بالقضاء التجاري ، فإننا سوف نركز على بعض الإشكالات التي تنتج عن التعامل بالأوراق التجارية في ظل العمل القضائي التجاري ، ونخص بالذكر مدى إلزامية محضر الاحتجاج بعدم الدفع لقبول طلب الأمر بالأداء الذي يكون سنده ورقة تجارية ، وسيكون الاجتهاد القضائي موضوعنا في الدراسة  (الفقرة الأولى ) لنخلص في النهاية إلى إبراز وجهة نظرنا في الموضوع ( الفقرة الثانية )

 

الفقرة الأولى :  تحديد اتجاهات القضاء في الموضوع

الاتجاه الأول :

هذا الاتجاه قد استلزم إرفاق طلب الأمر بالأداء بمحضر الاحتجاج بعدم الوفاء ، وهو ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف التجارية بفاس التي نصت : على أن اختيار سلوك مسطرة استصدار أمر بالأداء دون القيام بمسطرة الاحتجاج [39] بعدم الدفع المنصوص عليها في الفصلين 297 و 297  من مدونة التجارة والتي وردت أحكامها على سبيل الوجوب تبقى معه الدعوى غير مسموعة[40] .

 

 الاتجاه الثاني :لم يشترط هذا الاتجاه لقبول طلب الأمر بالأداء القيام بمحضر احتجاج بعدم الوفاء ، وفي هذا المنحى اتجهت محكمة الاستئناف التجارية بمراكش إلى أن :الاحتجاج بعدم الدفع لا يكون إلزاميا إلا في حالة تظهير الورقة التجارية [41].

 

الفقرة الثانية : وجهة نظرنا في الموضوع

 

بعد التطرق لاختلاف توجهات العمل القضائي بخصوص إلزامية محضر الاحتجاج بعدم الوفاء ، نعتقد أن الاتجاه الثاني أقرب إلى الصواب ، وذلك لمجموعة من المبررات من بينها:

- إن قانون المسطرة المدنية باعتباره المحال عليه بمقتضى المادة 22 من القانون المحدث للمحاكم التجارية لم يشترط بمقتضى فصوله على إلزامية هذا المحضر لقبول مقال الأمر بالأداء .

- عدم وجود شرط الاحتجاج بعدم الوفاء في المقتضيات الخاصة التي تحكم مسطرة الأمر بالأداء أمام المحاكم التجارية .

       

-         أن حلول أجل الوفاء بقيمة الورقة التجارية ، يعتبر بمثابة إعدار بالوفاء ، وهد يرتب عدم إلزامية القيام بمحضر احتجاج بعدم الوفاء لجعل المدين في حالة مطل .

 

 

 

 

 

 

 

لائــــــــحة المراجع

الكتب

* عبد العزيز توفيق: ْ شرح قانون المسطرة المدنية  و التنظيم القضائي ْ الجزء الأول ، الطبعة الأولى .

* محمد المجدوبي الإدريسي : ْ عمل المحاكم التجارية، بدايته ، إشكالياته، دراسة نقدية ْ الطبعة الأولى ، مكتبة دار السلام .

* امحمد الغروجي : ْالتاجر وقانون التجارة بالمغرب ْ مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، الطبعة الأولى 1999 .

         المقالات

* إبراهيم زعيم : ْ مسطرة الأمر بالأداء في القانون لمغربي ْ مقال منشور بمجلة القضاء و القانون ، العدد 138 ، سنة 1988 .

* محمد بوعلو : ْ قراءة في الاختصاص النوعي للمحاكم التجارية ْ مقال منشور بمجلة المعيار العدد 24 .

         المجلا ت

 * قضاء المجلس الأعلى الأعداد : 45 و47 و56 و 139.

* مجلة المحاكم المغربية العدد 83 يوليوز – غشت 2000.

* مجلة رسالة المحاماة العددين : 15 و 21 .

* مجلة الإشعاع العددين 10 و14 .

*مجلة المعيار العدد 24 .

* مجلة القصر العدد 3 .

         التشريعات

*الظهير الشريف  05-97-1 الصادر في شوال 1417 ( 12 فبراير 1997) لتنغيذ القانون رقو 53-95 القاضي بإحداث المحاكم التجارية .، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 4482-8 بتاريخ 15-5-1997.

* الظهير رقم 206-93-1 الصادر بتاريخ 10/09/1993 المنظم لمهنة المحاماة .

* مدونة التجارة .

 

 

الفهرس

 

 

مقدمة : ....................................................................................................1

المبحث الأول: المنازعات المرتبطة بالبيانات الإلزامية المتطلبة في الأوراق التجارية.....3

 

المطلب الأول: المنازعات المرتبطة بشكليات الكمبيالة...........................................4     

المطلب الثاني: المنازعات المرتبطة بشكليات السند لأمر .......................................6

المطلب الثالث: المنازعات المرتبطة بشكليات الشيك ............................................8     

 

المبحث الثاني: مسطرة الأمر بالأداء ضمانة قانونية للوفاء بقيمة الورقة التجارية.......10

 

المطلب الأول: شروط استصدار الأمر بالأداء ....................................................11

المطلب الثاني: مدى إلزامية محضر الاحتجاج بعدم الدفع......................................18



[1]- للمزيد من الاطلاع، راجع امجمد الفروجي، التاجر وقانون التجارة بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 1999، ص 255.

[2]- في نفس الإطار راجع قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 16-10-1985، ملف مدني عدد 95895، قضاء المجلس الأعلى، عدد 139، نونبر، ص 91.

[3]- قرار رقم 98/462 ، ملف عدد 4/98/515، غير منشور.

[4]-  قرار رقم 1100، ملف مدني رقم 86/58 بتاريخ 8/5/91، منشور بمجلة رسالة المحاماة، العدد 21، من ص 107 إلى 112.

[5]- قرار محكمة الاستئناف التجارية بفاس، رقم 224، الصادر بتاريخ 21/12/1998، ملف عدد 108/98  منشور بمجلة المعيار العدد 24، الصفحات من 191 إلى 194.

[6]- قرار رقم 2119/96/4/1 بتاريخ 17/10/1996 في الملف عدد 4224/93، منشور في مجلة المحاكم المغربية عدد83، يوليوز غشت 2000.

[7]- قرار رقم 4298، صادر في 2-7-1997.

[8]- قرار رقم 2474/2002 بتاريخ 26-09-02.

[9]-  امحمد الفروجي، مرجع سابق، الصفحتان 251 و252.

[10]- قرار رقم 424/2003، صدر بتاريخ 28-01-2003، تحت رقم 4431/2002/13، غير منشور.

[11]- حكم عدد 117، صادر في تاريخ 10-02-2002، المحكمة التجارية بمراكش، غير منشور.

[12]- حكم عدد 09-01 في الملف رقم 13/2001/4 صادر بتاريخ 30/10/2001، منشور بمجلة القصر، العدد 3، ص 152.

[13]- حكم عدد 33-01 في الملف رقم 20/2001/4، صادر بتاريخ 01/11/2001، منشور بمجلة القصر، العدد3ن ص 158.

[14]- قرار رقم 1526/99 صادر بتاريخ 19/10/99 في النلف عدد 1499/99/3.

[15]- امحمد الفروجي، "الشيك وإشكالاته القانونية والعملية"، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1999، ص9.

[16]- قرار عدد 1740 مؤرخ في 1-11-2000، ملف مدني عدد 324-3-2-99، منشور بمجلة قضاء المجلس العلى، عدد56، من ص 347 إلى ص 349.

[17]- حكم رقم 319/98، ملف عدد 147/98، صادر بتاريخ 10-12-1998،  منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 83، ص 206.

[18]- مداخلة الأستاذ محمد بوعلو،"قراءة في الاختصاص النوعي للمحاكم التجارية"، مجلة المعيار، العدد24، ص 136و137.

[19]- حكم عدد 82، صادر بتاريخ 2-2-99، في الملف عدد 4/850/98ن منشور بمجلة رسالة المحاماة، العدد 15، ص 159 وما بعدها.

 

[20]- حكم رقم 1408، ملف رقم 1433-99-4، بتاريخ 21-12-99، منشور بمجلة رسالة المحاماة، عدد21، الصفحتان 213و214.

[21] -  تتميز مسطرة الأمر بالأداء بمجموعة من الخصائص أهمها :

- غير تواجهية : فصاحب الدين يمكنه الحصول على دينه بأمر من رئيس المحكمة التجارية  في غيبة خصمه .

- البساطة : وتتجلى  في الإجراءات المتبعة في المسطرة

- قلة الرسوم القضائية

- مسطرة استثنائية

-طريق اختياري

 

[22]عبد العزيز توفيق : ْ شرح قانون المسطرة المدنية و التنظيم القضائي ْ الجزء الأول ، الطبعة الأولى ، ص : 343

[23] - للإطلاع أكثر : انظر : إبراهيم زعيم : ْ مسطرة الأمر بالأداء في القانون المغربي ْ مقال منشور بمجلة القضاء والقانون ، سنة 26/02/1988 ، العدد 138 ، ص : 74 .   

[24] - ظهير شريف 05-97-1 صادر في شوال 1417 ( 12 فبراير 1997 ) بتنفيذ القانون رقم 53-95 القاضي بإحداث المحاكم التجارية ، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد4482-8 بتاريخ 15 ماي 1997 .

[25] -  قرار صادر عن المجلس الأعلى عدد 1017 والمؤرخ في 24 أبريل 1991 ، الملف رقم 532/90 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 47 ، يوليو 1995 ، ص : 98  .

[26] -  انظر الملحق رقم 1

[27] -  محمد المجدوبي الإدريسي : ْعمل المحاكم التجارية  بدايته – إشكاليته -  دراسة نقدية ْالطبعة الأولى ، مكتبة دار السلام ، ص : 148

[28] - حكم رقم 1408 ملف رقم 4-33-1433 مؤرخ في تاريخ 21/12/99 غ م .

[29] -  قرار عدد 2738 صادر بتاريخ 26/12/1990 ملف مدني رقم 1375 – 84 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 45 ص : 29 .

[30] -  الظهير رقم 206-93-1  بتاريخ 10-09-1993 المنظم لمهنة المحاماة .

[31] -  فالكمبيالة وكما أشرنا ورقة تجارية بالأصل ، في حين أن المادة 9 من مدونة التجارة حددت الحالة التي يكون فيها السند لأمر ورقة تجارية ، وذلك في حالة التوقيع عليه لغرض تجاري .

[32] -  أمام غياب نص تشريعي بهذا الصدد ، فهناك من يعتبر الشيك عملا تجاريا مطلقا كالكمبيالة سواء وقعه تاجر أو غير تاجر ، وسواء كان وفاء لدين تجاري أو مدني ، في حين نجد الأستاذ الفروجي يعارض هذا الطرح ويعتبر الشيك عملا مدنيا في الأصل ، ولا يعتبر عملا تجاريا إلا لمن وقع عليه في إطار نظرية التبعية

[33] -  فرار رقم 80/98 مؤرخ في 9-04-99 منشور بمؤلف : محمد المجدوبي : ْعمل المحاكم التجارية  بدايته – إشكاليته - م س ، ص : 151

[34] -   قرار عدد 1829   مؤرخ في 22-11-2000 ، ملف عدد 398/3/2/99 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى ، عدد 56 ، عدد خاص بالقضاء التجاري ، يونيو 2000 ، ص  : 350 إلى 352 .

[35] -  قرار عدد 461 ، ملف مدني رقم 3963 /84 ، مؤرخ في 20-01-1993 ملف رقم 1404 /88 منشور بمجلة الإشعاع عدد 10 ،ص : 40 وما بعدها .

[36] -  وذلك طبقا للمادة 1425 من ق م م الفرنسي و المادة 201 من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري  ، نقلا عن المجدوبي الإدريسي : ْعمل المحاكم التجارية  بدايته – إشكاليته -  دراسة نقدية ، م س ، ص : 150

[37] -  قرار رقم 2/01/1996 ملف مدني 3917/90 منشور بمجلة الإشعاع عدد 14 ، ص : 110  .

[38] - المادة 653 من مدونة التجارة

[39] -  الاحتجاج بعدم الوفاء أوعدم الدفع يقدم إلى كتابة الضبط التابعة للمحكمة الابتدائية أو التجارية ، التي يقع الوفاء في دائرة نفوذها  ، للمزيد من الاطلاع انظر محمد أوغريس : ْ المسؤولية الجنائية عن جرائم الشيك ْ مطبعة دار القرويين ، الطبعة الثانية ،2002 ، ص : 166 وما بعدها .

[40] -  قرار رقم 132 مؤرخ في 8/03/1998 ملف عدد 99 منشور بمؤلف المجدوبي الإدريسي : ْعمل المحاكم التجارية  بدايته – إشكاليته -  دراسة نقدية ، م س ، ص :153

[41] - قرار رقم 144/98 تحت عدد 74 مؤرخ في 9/03/1999 منشور بمؤلف المجدوبي الإدريسي : ْعمل المحاكم التجارية  بدايته – إشكاليته -  دراسة نقدية ، م س ، ص : 155 .

(0) تعليقات

عقدا النقل و التأمين البحري

 إعدادالطلبة:
                       مساوي رشيدة
                                موالدة عبد الواحد
                                           الترابي بوعبيد
                                                     عبد الإلاه الخلفي

 

للنقل البحري أهميته من الوجهتين الاقتصادية والتجارية إذ تعتمد الدولة بصفة أساسية على هذا النوع من النقل، سواء بالنسبة لصادراتها أو بالنسبة لوارداتها،وعقد النقل البحري يلعب دورا هاما في التنمية الاقتصادية نظرا لانخفاض تكاليفه بالمقارنة مع باقي وسائل النقل الأخرى،[1] وقد أدركت الدول في الوقت الحاضر حقيقة أساسية مؤداها أن توقف أو ضعف النقل البحري يؤدي حتما إلى تدهور في الاقتصاد بصفة عامة.

ورغم تقدم النقل الجوي للبضائع وتضاعف مقدار البضائع المنقولة جوا، فإن النقل البحري ما زال متفوقا في هذا المجال لضخامة حمولة سفن البضائع،[2] ولسهولة النقل عن طريق البحر.

ولا يمكن أن تتحقق الأهداف المتوخاة من النقل البحري بدون وجود تأمين ضد الأضرار التي يمكن أن تلحق بالسفينة، فالتأمين البحري يهدف بالأساس إلى تمكن الأطراف المعنية بعقد النقل من القيام بعملياتهم التجارية دون تحمل النتائج المالية التي قد تنجم عن الضياع المحتمل للبضاعة وكذا الأضرار التي يمكن أن تتعرض لها هذه الأخيرة نتيجة لمخاطر البحر.

وقد عمل المشرع المغربي من خلال القانون التجاري البحري، على تنظيم عقد النقل البحري وعقد التأمين البحري، إذ صدر ظهير شريف بتاريخ 31/03/1919 يتعلق بالتجارة والملاحة والصيد البحري، كما انضم المغرب إلى اتفاقية الأمم المتحدة لنقل البضائع بحرا لسنة 1978 والمعروفة بقواعد " هامبورغ"، بمقتضى ظهير شريف صادر في 14/11/1986.

لكن الفقه المغربي وجه انتقادات شديدة للمشرع المغربي، الذي لم يبذل مجهودا حقيقيا لتغيير القانون الحالي، إذ أصبح هذا الأخير عاجزا عن مواكبة ومسايرة التطورات التي يعرفها الميدان البحري، التي جاءت نتيجة للتغيرات التي يعرفها العالم، فمشروع قانون المدونة البحرية ما زال منذ مدة طويلة حبيس رفوف البرلمان ، والسبب في ذلك غياب الإرادة السياسية الحقيقية لإخراج هذا القانون إلى حيز الوجود ، بالإضافة إلى عدم قدرة الجهات المسؤولة عن تجاوز الاكراهات والضغوط الداخلية والخارجية من طرف بعض الجهات التي ليس في مصلحتها خروج المشروع المذكور إلى الوجود.[3]

وحتى نعالج موضوعنا نرى من الأنسب أن نقسمه إلى مبحثين، نخصص الأول للحديث عن عقد النقل البحري، في حين نتعرض في الثاني إلى عقد التأمين البحري، وذلك على الشكل التالي:

 

المبحث الأول: عقد النقل البحري

المبحث الثاني: عقد التأمين البحري

 

   

 سنتعرض في هذا المبحث، إلى الأحكام العامة لعقد النقل البحري ( المطلب الأول)، ثم إلى مسؤولية الناقل البحري(المطلب الثاني).

 

مما تنبغي الإشارة إليه في البداية أن عقد النقل البحري هو العقد الذي يلتزم الناقل بمقتضاه بأن ينقل بضائع بحرا لحساب شخص أخر هو الشاحن لقاء أجر معلوم.[4]

وبخصوص اتفاقية هامبورغ جاء في الفقة السادسة من المادة الأولى، أن المقصود بمصطلح عقد النقل البحري ، العقد الذي " يتعهد الناقل بموجبه بنقل بضائع بطريق البحر من ميناء إلى أخر لقاء أجرة...".

ويتطلب عقد النقل البحري كسائر العقود توافر مجموعة من الشروط التي حددتها القواعد العامة للعقود من محل وسبب والرضى والأهلية وهي أمور لا تثير أي إشكال. وبالرجوع إلى الفصل 207 من القانون البحري لسنة 1919 نجدة ينص على أنه:

" يثبت إيجار السفينة أو عقد النقل البحري بمشارطة إيجار أو تذكرة الشحن أو بأي محرر أخر " ، ومن هذا الفصل يتضح أن الكتابة ليست شرطا لصحة عقد النقل البحري،  فهي شكلية للإثبات وليست شكلية للانعقاد، فجل القوانين المقارنة تعترف بالطبيعة الرضائية لعقد النقل البحري حتى تلك التي تعد الأكثر تشبتا بالشكلية كالقانون الإنجليزي.

وبخصوص أطراف عقد النقل البحري، نجد أنه يضم ثلاثة أطراف الشاحن والناقل والمرسل إليه.

فبالنسبة للشاحن يلاحظ أن القانون المغربي استعمل مصطلح المرسل ولم يستعمل مصطلح الشاحن، الذي هو الأكثر تداولا في الميدان البحر ، هذا الأخير لم يتم تعريفه من طرف المشرع الغربي ، وقد عرفت اتفاقية هامبورغ الشاحن بأنه: كل شخص أبرم مع الناقل عقدا أو أبرم باسمه أو نيابة عنه مع الناقل عقدا لنقل بضائع بطريق البحر، أو كل شخص يسلم البضائع إلى الناقل أو تسلم بالفعل البضائع باسمه أو نيابة عنه إلى الناقل في إطار عقد النقل البحري، هذا التعريف تبناه المشرع المغربي من خلال مشروع القانون البحري [5].                                       

أما الناقل فهو إما مجهزا مالكا للسفينة أو مجهزا مستغلا للسفينة في إطار عقد الإيجار، الذي يلتزم نحو المرسل   بنقل بضائعه إلى ميناء ما خلال مدة معينة ومقابل أجر معين، وما سيخصص للبضاعة جزء أو كل السفينة،[6] وقد عرفته اتفاقية هامبورغ ومشروع القانون البحري المغربي بأنه :"ّ كل شخص أبرم عقدا أو أبرم باسمه عقد مع شاحن لنقل البضائع بطريق البحر".

ومن خلال هذه التعاريف، يلاحظ أن تحديد هوية الناقل تطرح عدة إشكالاتّ، فهل هو المذكور في سند الشحن أم الذي قام فعلا بنقل البضاعة، وقد طرح هذا الإشكال أمام القضاء المغربي.[7] 

أما بالنسبة للمرسل إليه فنادرا ما يرسل الشاحن البضاعة لنفسه أو إلى وكيله، وإنما يرسلها في الغالب الأعم إلى المرسل إليه الذي يكون بحوزته سند الشحن اسميا أو لأمر أو لحامله، وقد عرفت اتفاقية هامبورغ إلى أن المقصود بالمرسل إليه أنه الشخص الذي له الحق غي تسلم البضائع.

وبخصوص العناصر الموضوعية لعقد النقل البحري فتتمثل في البضاعة المراد نقلها، وأجرة النقل، حيث يلتزم الناقل بإيصال البضاعة إلى مينا الإفراغ مقابل أجرة، ولقد نظم المشرع المغربي مسألة الأجرة في الفصول من 228إلى 230.

وعلى غرار طرق النقل الأخرى، نجد أن عقد النقل البحري يثبتإما عن طريق عقد مشارطة الإيجار وهو عقد يثبت نقل البضاعة دون شحنها،[8]وقد يفضل المرسل أو الشاحن التعقد مع الناقل البحري، لنقل بضاعته من ميناء الإقلاع أو التحميل، إلى ميناء الوصول أو التفريغ، ويتم التعاقد في هذه الحالة باسطة سند الشحن، الذي يصدره الناقل البحري،والمقصود بسند الشحن أي وثيقة من شأنها إثبات عقد نقل بالبحر ومقررة استلام الناقل للبضائع أو شحنه لها على ظهر السفينة وتعهده للشاحن بتسليم البضائع مقابل استرداد تلك الوثيقة،[9] ولقد عرف الفصل 209 من القانون البحري المغربي سند الشحن بأنه: " اعتراف خطي بالبضائع التي يتسلمها الربان ".[10]                    

 

إن الالتزام الذي يقع على عاتق الناقل البحري، هو التزام بنتيجة تتمثل في إيصال البضاعة التي تسلمها من المرسل أو الشاحن في ميناء الشحن، لمن له الحق في سلامتها في ميناء التفريغ، وذلك في الوقت المتفق عليه سليمة من كل عيب أو نقص يلحقها.[11]

فأي إخلال بالتزامات الناقل يوجب مسؤوليته، وهي مسؤولية عقدية ناجمة عن إخلال بالتزام تعاقدي.

وأساس المسؤولية هو الخطأ،وهو مفترض في الناقل كما جاء في الفصل 221 من القانون التجاري البحري :" يبقى مؤاجر السفينة مسؤولا عن كل هلاك أو عوار يصيب البضائع مادامت تحت حراسته..."،وأيضا المادة 5 من اتفاقية هامبورغ التي اعتبرت الناقل مسؤولا عن الخسارة التي تنتج عن هلاك البضاعة أو تلفها.

 فالالتزام الرئيسي الملقى على عاتق الناقل البحري للبضائع بموجب عقد النقل البحري، هو نقل البضاعة من ميناء الإقلاع أي ميناء الشحن إلى ميناء الوصول وتسليمها إلى المرسل إليه، فأي ضرر يلحق البضاعة سواء تمثل في هلاكها جزئيا أو كليا يرتب مسؤولية الناقل البحري، أما بالنسبة لتلف الطريق فإنه من المتعارف عليه أنه هو الهلاك أو التلف البسيط الناتج عن طبيعة البضاعة المنقولة لا يسأل عنه الناقل، وهو ما أكده القضاء المغربي في قرار للمجلس الأعلى[12] الذي اعتبر على أن[13] العرف جرى من قديم على قبول النقص اليسير والتلف البسيط الناتج عن طبيعة البضاعة ،ولقد حددت النسبة التي تعتبر تلفا بسيطا في حدود 2 في المائة، تحددها المحكمة عن طريق الأمر بإجراء خبرة.

ويسأل الناقل عن التلف أو العوار الذي يلحق البضاعة ابتداء من تاريخ تسلمه لها إلى حين تسليمها للمرسل إليه، كما يسأل عن التأخير في التسليم بعد مراعاة المدة المتفق عليها لإيصال البضاعة الواردة بسند الشحن، وهو ما أكده قرار للمجلس الأعلى [14] حيث جاء فيه:"...بمقتضى الفصلين المذكورين- ف 221 من ق ت ب والفصل 78من القانون التجاري – يتأكد أن الناقل البحري مسؤول عن كل البضاعة المسلمة له إلى يوم تسليمها إلى المرسل إليه، ومحكمة الاستئناف عندما طبقت الفصل 221 المشار إليه لم تلتفت إلى مقتضيات الفصل 78 المذكور واعتبرت أن المكاري قد انتهت مسؤوليته عن البضاعة منذ تسليمها  إلى مكتب الشحن مع أن مقتضيات الفصلين المذكورين يقتضي غير ذلك، بل تعتبر الناقل البحري مسؤولا إلى أن تسلم البضاعة إلى المرسل إليه وللناقل البحري حق الرجوع إلى مكتب الشحن إذا كانت مسؤوليته في ذلك."

فمن خلال هذا القرار نستخلص أن مسؤولية الناقل البحري مستمرة إلى حدود وصول البضاعة إلى المرسل إليه، لكن نعتقد أن هذا القرار تشدد اتجاه الناقل ، إذ كيف يعقل أن تبقى مسؤوليته قائمة في الحالة التي تخرج فيها البضاعة من تحت حراسته،ويمكن التساؤل هنا عن دور ككتب الشحن  ويسير فى هذا الاتجاه قرار للمجلس الأعلى[15] الذي اعتبر أن الناقل مسؤول عن كل عن كل ضياع أو تلف يصيب البضاعة مادامت في حراسته وتنتقل هذه المسؤولية إلى مكتب الشحن إذا وقعت الخسارة أثناء وجود البضاعة في عهدته  أو لم يبد تحفظاته على الروافع بشأن الحالة الظاهرة للبضاعة أو بشأن عدم إفراغ جميع الطرود كما وردت في وثيقة الشحن.

وإلى جانب الهلاك هناك ضرر قد يصيب البضاعة، نصت عليه المادة الخامسة من اتفاقية هامبورغ، حيث تصل البضاعة وهي في حالة سيئة فإذا لم يورد الناقل في سند الشحن تحفظاته فإنه يفترض انه استلم البضاعة في حالة جيدة، لذلك فإن كل تلف أو عوار يلحق البضاعة ، يفترض أنه حصل نتيجة خطأ أو إهمال الناقل، لكن ينتقد الفقه القضاء حين يضفي على سند الشحن قوة ثبوتية مطلقة في إثبات سلامة البضاعة.

ومن بين الحالات التي تثار فيها مسؤولية الناقل البحري، نجد حالة التأخير في  إيصال البضاعة، حيث بالرجوع إلى المادة الخامسة من اتفاقية هامبورغ فإنها تؤكد على أن هناك تأخير إذا لم يتم تسليم البضاعة في الوقت المنصوص عليه في عقد النقل البحري أو في حدود المهلة التي يكون من المعقول تطلب التسليم خلالها، كما نصت المادة 456من مدونة التجارة المغربية على أنه: " يجب أن يتم النقل داخل الأجل المحدد من قبل الأطراف أو طبقا للعرف التجاري وإلا فيتم داخل الأجل الذي يعتبر مقبولا"، فالناقل البحري يسال عن التأخير، ولقد نص الفصل 217من ق ت ب المغربي على انه: " إن الطرف الذي يتسبب في توقف السفينة أو تأخرها عند الإقلاع أو خلال السفر أو في مكان التفريغ يكون ملزما بأداء تعويض للطرف الآخر"، وما يلاحظ على عبارات هذا الفصل أنها غير واضحة عكس المادة الخامسة من اتفاقية هامبورغ التي أكدت في فقرتها الأولى على أنه:" يسال الناقل عن الخسارة الناتجة عن هلاك البضائع أو تلفها وكذا الناتجة عن التأخير في التسليم ".

زقك يلجأ الناقل البحري إلى تضمين سند الشحن شرطا يعفيه من المسؤولية عند التأخير في تسليم البضاعة، وهو شرط يعد باطلا حسب مقتضيات الفصل 264من ق ت ب ، لكن الفقه اعتبر هذا الشرط صحيحا ،أما إذا ثبت أن التأخير راجع لخطا الناقل البحري كان من نتيجته التأخير يسأل الناقل رغم وجود شرط الإعفاء.[16]

ولتقرير مسؤولية الناقل البحري يتعين إثبات الضرر وهو يكون بجميع الوسائل ،وهذا ما أكده الاجتهاد القضائي ففي قرار لاستئنافية الدار البيضاء[17] جاء فيه:"... من حيث إنه فضلا عن ذلك فمن المقرر فقها وقضاء جواز إثبات الضرر في مادة النقل البحري بكافة الوسائل،وحتى بخبرة معيبة أو ناقصة طالما أن الأمر يهم معاملة تجارية يسودها مبدأ حرية الإثبات...".

سبق القول أن أساس مسؤولية الناقل البحري هو الخطأ المفترض ، لكن في المقابل يبقى من حق الناقل أن يعفى من المسؤولية ، فيجوز إعفاؤه إذا أثبت أن سبب هلاك البضاعة أو عوارها أو التأخر في وصولها، يرجع ألا قوة قاهرة استنادا لمقتضيات الفصل 221من ق ت ب الذي نص على أنه: " يبقى مؤجر السفينة مسؤولا عن كل هلاك أو عوار يصيب البضائع مادامت تحت حراسته وما لم يثبت وجود قوة قاهرة"، فعليه أن يثبت بدل العناية الضرورية وأن ما وقع كان خارجا عن إرادته،  وهكذا جاء في قرار لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء [18] :"... حيث يدفع الناقل البحري بالقوة القاهرة وبالتالي انعدام مسؤوليته نظرا لقوة العاصفة التي تعرضت لها الباخرة خلال السفرة البحرية التي تمت خلال شهر فبراير 1978، غير أنه كان على الربان أن يتوقع حدوث مثل هذه العاصفة في هاته الآونة واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتلافيها، وبالتالي فلا مجال للتمسك بمقتضيات الفصل 269قلع الذي يعتبر القوة القاهرة كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه في حين أن حدوث العواصف خلال تلك الفترة من الأمور التي يمكن توقعها في فصل الشتاء الذي تكثر فيه العواصف..."                         

ونعتقد أن هذا القرار تشدد اتجاه الناقل البحري لأن القوة القاهرة تتحقق أيضا في حالة استحالة الدفع إلى جانب عدم التوقع، وبالتالي لا يمكن تحميله المسؤولية، فلا يمكن للناقل توقع قوة العاصفة.

كما يعفى الناقل من المسؤولية إذا أثبت أن هلاك البضاعة كان نتيجة لحريق اتخذ معه جميع التدابير التي كان من المعقول تطلب اتخاذها لإخماد الحريق، وتجنب تبعاته أو التخفيف منه حسب الفقرة الرابعة من المادة الخامسة من اتفاقية هامبورغ، وفي ظل التشريع المغربي فإنه يبقى على عاتق الناقل البحري عبء إثبات أن الضرر الحاصل للبضاعة ناتج عن حريق لم يكن بالامكان توقعه وكذا التغلب عليه أي إثبات عناصر ومقومات القوة القاهرة طبقا للفصل 269من ق ل ع .

وفي حالة وجود عيب خفي في البضاعة، فإن الناقل يعفي نتيجة تقصير المرسل أو الشاحن في التلفيف أو التغليف ، أو في حالة عدم إخبار الناقل عن طبيعة البضاعة المراد نقلها حتى يتمكن من اتخاذ الاحتياطات الكافية للحفاظ عليها كما لو كانت معرضة للكسر وهي لا تحمل علامة تفيد ذلك،[19] ولقد اعتبر المجلس الأعلى [20] أن مكتب استغلال الموانئ يتوجب عليه تغطية البضاعة المودعة لديه وبالتالي المسؤولية ملقاة على عاتق المكتب.

ولا يسأل الناقل البحري عن هلاك البضاعة أو التأخير في تسليمها، إذا كان ذلك بسبب إنقاذ الأرواح والأموال في البحر.[21]      

 
 المبحث الثاني: عقد التأمين

 

ظهرت مؤسسة التأمين منذ القدم [22]، حيث ارتبط وجودها بحالة الخوف من الأخطار وتأمين التقلبات الاقتصادية باللجوء إلى فكرة التكافل و التضامن بين الأفراد و الشخص المصاب بالخسارة.

و التأمين كنظام قانوني ارتبط وتطور مع تطور التجارة البحرية التي يعتبر تاريخها جزءا من تاريخه[23] .

 وقد ظهر نظام التأمين أول ما ظهر في أوربا في القرن الرابع عشر ، فأقدم وثيقة تأمين أبرمت في جنوا عام 1347 ، وتلتها التأمينات البحرية في عام 1370 ، واختلفت خلال هذه الفترة المقتضيات التشريعية المنظمة لعقد التأمين ، فكانت قوانين برشلونة لسنة 1435 تنظم عقد التأمين البحري وصحته و ممارسة الوساطة في عمليات التأمين ، كما تبعتها العديد من الدول كفرنسا التي أصدرت مرشد البحر في القرن السادس عشر، الذي كان مرجع في صياغة أحكام التأمين البحري الفرنسي  في سنة 1807 ، غير أن أول قانون خاص بالتأمين البحري كان من نصيب انجلترا عام 1601 .

أما بالنسبة للمشرع المغربي باعتبار مرجعيته الإسلامية[24] فلم يعرف التأمين بالشكل الذي  عرفته أوربا  إلا سنة 1879 ، حيث مارست هذا النظام الشركات الأجنبية كإسبانيا وكذا ألمانيا في سنة 1893 ، تم أخد هذا النظام يعرف طريقه في المغرب بدخول الحماية في عام 1912 حيث أبرم الأجانب عقود التأمين مع الشركات الأجنبية السالفة الذكر ، و استمرت الوضع إلى غاية 1916 تاريخ إنشاء أول شركة تأمين بالمغرب تحت إسم المغرب ، ثم تلا ذلك صدور أول قانون ينظم بين ثناياه التأمين البحري وذلك بمقتضى ظهير 31 مارس 1919 بمثابة مدونة التجارة البحري[25] تم تلته عدة ظهائر و قرارات وزيرية تناولت جوانب من الموضوع[26] ، إلا أن أول شركة تأمين ذات رأس مال مغربي أنشئت سنة 1950 تحت إسم الشركة الملكية المغربية للتأمين ، وارتفع بعد ذلك عدد الشركات الممارسة للتأمين بالمغرب بعد الحصول على الاستقلال الأمر الذي برزت معه الحاجة إلى تدخل الدولة بمقتضى ظهير 2 مارس 1973 المتعلق بمغربة بعض القطاعات و الأنشطة التجارية من بينها قطاع التأمين .

و المشرع المغربي على غرار المشرع الفرنسي لم يعرف عقد التأمين ، إلا أن هذا لم يمنع الفقه من تولي هذه المهمة ، حيث عرفه بعض الفقه بأنه : عملية يحصل بمقتضاها أحد الطرفين وهو المؤمن له نظير دفع قسط على تعهد لصالحه أو لصالح الغير من الطرف الآخر وهو المؤمن على تعهد بمقتضاه يدفع هذا الأخير أداء معينا عند تحقيق خطر معين وذلك عن طريق تجميع مجموعة من المخاطر و إجراء المقاصة وفقا لقوانين الإحصاء، كما عرف التأمين البحري بأنه تأمين السفينة و ما عليها من بضائع من مخاطر البحر [27] ، و القضاء بدوره ساهم في وضع تعريف لعقد التأمين حيث جاء في قرار للمجلس الأعلى : إن التذكرة المسماة تذكرة التأمين التي تم وضعها من طرف المعني بالأمر الذي سيصبح صاحب الورقة النهائية للتأمين و تلزم المستفيد بأداء قسط التأمين مقابل أخطار يتحملها المؤمن .

من الضروري و الكافي أن تنفذ تذكرة التأمين باعتبارها تشاهد الالتزام المتبادل للطرفين المتعاقدين و الشروط التي تفرضها المادة 345 من ظ.ق.ت.ب.[28]

وتتجلى أهمية التأمين البحري في الدور الذي يلعبه هذا الأخير بالنسبة إلى مختلف المتدخلين في عملية النقل البحري التي سبق توضيحها في المبحث الأول ، كما أنها تبرز بشكل جلي في النزاعات البحرية التي تكون عادة بين المؤمنين .

     فإلى أي حد استطاع المشرع المغربي تنظيم التأمين البحري بشكل يتجاوب وحماية مصالح أطراف عملية النقل البحري من أخطار الرحلة البحرية ؟

وهو ما سنحاول معالجته من خلال مبحثين نتناول في :

المطلب الأول: كيفية إبرام عقد التأمين البحري

وفي المطلب الثاني: تنفيذ عقد التأمين البحري 

 

أمام الأهمية القصوى التي يحظى بها عقد التأمين و نظرا لما يوفره من عنصر الثبات و تفادي المفاجأة خاصة في الحقل التجاري الذي تزداد تقلباته يوما عن يوم خاصة أمام شساعة السوق الدولية و ما تتطلبه من حاجة إلى عبور القارات التي تفصلها مئات الأميال من المساحات البحرية ظهرت شركات التأمين للحلول مكان المؤمن في كل ما يشغل مسؤوليته عن الحادث البحري لكن ذلك لا يتم إلا بوجود عقد للتأمين ( الفقرة الأولى ) بالإضافة إلى صحته ( الفقرة الثانية ) .

 

الفقرة الأولى : عقد التأمين البحري

 

يعتبر عقد التأمين من العقود الرضائية التي تنشأ بتوافق إرادة المأمن و المؤمن له ، كما أنها من العقود الاحتمالية [29]، على أساس أن الأخطار المؤمن ضدها لا أحد يعرف مدى إمكانية حدوثها ، لكن السؤال الذي يمكن طرحه هل الرضائية يمكن أن تغني عن الشكلية في عقد التأمين أم الأمر بخلاف ذلك ؟

بالرجوع إلى الفصل 345 من القانون التجاري البحري المغربي نجده ينص على ضرورة كتابة عقد التأمين ، وهكذا فإن المشرع الزم كتابة عقد التأمين لكنه لم يشترط نوعا خاصا من الكتابة إذ يمكن أن ترد وثيقة التأمين في محرر عرفي أو رسمي و يمكن أن تكون مكتوبة بخط اليد أو معالجة ، لكن الناحية العملية أفرزت أن جل عقود التأمين تكون مطبوعة والغريب أنها كلها تحرر باللغة الفرنسية بالرغم أن المتعاقدين هم مغاربة ، ربما يرجع ذلك إلى تقليد أعمى للتشريع الفرنسي الذي ألزم بمقتضى المادة 182 من قانون 1982 كتابة عقد التأمين باللغة الفرنسية ، فحبذا لو تدخل المشروع و ألزم كتابة وثيقة التأمين البحري باللغة العربية .

وهكذا يجب أن تكون وثيقة التأمين مجسدة على ورق، تتضمن مجموعة من البيانات منها:

*  تاريخ انعقاد التأمين مع تبيان إن كان قبل الظهر أو بعده

* اسم وموطن الشخص الذي أبرم التأمين لحسابه أو لحساب الغير وفي هذا الصدد قرر المجلس الأعلى أن عدم ذكر اسم المؤمن له في تذكرة الشحن تجعل حلوله غير ممكن في الدعوى [30].

* الأخطار التي يتحمل بها المؤمن و الوقت الذي تبدأ فيه هذه الأخطار و الوقت الذي تنتهي فيه

* المبلغ المؤمن به

* وجيبة أو ثمن التأمين[31]

* خضوع الأطراف لمحكمين في حالة النزاع وذلك فيما إذا وقع الاتفاق على هذا الشرط ولكل من الأطراف المعنيين بالأمر الحق بأخذ نسخة من وثيقة التأمين مشهود بصحتها .  

 

وهذا ما جسده المجلس الأعلى في عدة قرارات نذكر منها القرار الآتي الذي نص على: إن التذكرة المسماة تذكرة التأمين التي تم وضعها من طرف المعني بالأمر الذي سيصبح صاحب الورقة النهائية للتأمين و تلزم المستفيد بأداء قسط التأمين مقابل أخطار يتحملها المؤمن .

من الضروري و الكافي أن تنفذ تذكرة التأمين باعتبارها تشاهد الالتزام المتبادل للطرفين المتعاقدين و الشروط التي تفرضها المادة 345 من ظ.ق.ت.ب.[32]

 

وتجدر الإشارة إلى أن هذه المقتضيات واردة على سبيل المثال لا الحصر يمكن للأطراف إضافة مقتضيات أخرى مع مراعاة المسائل المتعلقة بالنظام العام .

وهكذا بعد إبرام عقد التأمين فإن المؤمن يحل محل المؤمن له في تحمل التعويض عن الأضرار و الخسائر المترتبة عن الخطر المؤمن ضده ، إلا أن السؤال يطرح في الحالة التي يتحقق فيها الخطر في نفس اليوم الذي تبرم فيه وثيقة التأمين ، هل يتحمل المؤمن المسؤولية أم أنها تضل التزاما على عاتق المؤمن له خاصة و أن تحديد وقت التأمين يكتسي أهمية بالغة؟

لتفادي مثل هذه الوقائع غالبا ما يتفق المؤمن و المؤمن له على خلاف الأصل على بدأ سريان  وثيقة التأمين بعد مدة معينة من إبرام العقد ، لكن مع ذلك لا تزال الصعوبة في تحديد الوقت الذي أبرمت فيه وثيقة التأمين داخل نفس اليوم ووقوع الحادث المؤمن ضده ، لذا عمد المشرع في الفصل 345 على ضرورة تبيان ما إذا انعقد التأمين قبل أو بعد الظهر. 

ويمكن للأطراف في أي وقت من سريان عقد التأمين إدخال تعديل على محتوياته و يتم ذلك في ملحق ، هذا الأخير يعتبر جزءا لا يتجزأ عن  وثيقة التأمين ، وهو ما أقرته محكمة النقض المصرية حين ذهبت إلى أنه ْ من المقرر أن ملحق وثيقة التأمين الأصلية الذي يوقع عليه الطرفين يعتبر جزءا لا يتجزأ منها و يندمج ضمن شروطها ، ولا ينسخ من هذه الشروط إلا ما قصد تعديله ْ [33]

 

الفقرة الثانية : شروط صحة عقد التأمين

 

عقد التأمين البحري باعتباره عقد فهو لا يخرج عن الشريعة العامة للعقود العادية التي تستلزم لصحة قيامها توافر كل من الرضا و الأهلية و المحل و السبب.

فبالنسبة للرضا و الذي مؤداه توافق إراديين على إحداث أثر قانوني، يتجلى في توقيع الوثيقة من طرف المؤمن و المؤمن له ، حيث أن هذه الوثيقة هي للإثبات لا الانعقاد كما أشرنا في المطلب الأول ، فهي لإثبات هذا التوافق و محله حتى يتسنى للقضاء الوقوف على حقيقة النزاع  ومدى أحقية كل طرف، إلا أن هذا الرضا لا يتحقق بالرغم من التعبير عنه كما أسلفنا إلا إذا كان سليما من العيوب و التي حددها المشرع بشكل خاص في القانون البحري المغربي، حيث اعتبر بمقتضى الفصل 353    «كل سكوت وكل تصريح كاذب من طرف المؤمن له من شأنه أن يحمل المؤمن على الاعتقاد بأن الخطر أقل مما هو في الحقيقة يبطل التأمين، حتى ولو لم يكن هناك قصد احتيالي، ويكون التأمين باطلا حتى ولو لم يؤثر السكوت أو التصريح الكاذب على الضرر أو على ضياع الشيء المؤمن.ومنه يعتبر الكتمان  و التصريح الكاذب من عيوب الرضا التي تجعل المؤمن ضحية لتدليس المؤمن له الذي يكون أكثر إطلاع بالمخاطر التي يعزم التأمين ضدها، الأمر الذي جعل المشرع يعاقبه بنقيض قصده وفي هذا المنحى صار قرار للمجلس الأعلى قضى فيه بأنه :* لا يكون التصريح الكاذب أو السكوت المنصوص عليهما في الفصل 353 ثابتين إلا إذا كان من شأنهما تغيير فكرة الخطر لدى المؤمن [34] ، وبالإضافة إلى الحالة السابقة هناك حالات أخرى رتب عليها المشرع بطلان الاتفاق على التأمين و يتعلق الأمر بقصد الاحتيال و الذي مؤداه قيام المؤمن له بإبرام عقد التأمين بعد علمه بهلاك محل التأمين [35] أو التنصيص على إمكانية وقوع الخطر في عقد التأمين و لا مجال للتخوف منه [36] .

الأهلية

فعقود التأمين هي من عقود الإدارة ، و المشرع استلزم أن ينتظم المؤمن في شكل شركة مساهمة خاضعة لوصاية وزارة المالية الأمر الذي لا مجال معه للبحت عن أهلية المؤمن ، أما بالنسبة للمؤمن له فالأهلية التي يجب توفرها هي أهلية الإدارة إذ يمكن للقاصر المرشد إبرام عقد التأمين بالنسبة للأعمال المأذون له التصرف فيها[37]

المحل

نص الفصل 346 على أنه: يجوزلكل شخص له مصلحة أن يقيم تأمينا على السفينة وتوابعها وعلى صوائر التجهيز والمؤونة وأجور الملاحين وأجرة النقل والمبالغ المقرضة على وجه المخاطرة الجسيمة والربح البحري، والبضائع المشحونة على ظهر السفينة، والربح المؤمل من هذه البضائع ووجيبة التأمين وعلى وجه الإجمال كل الأشياء التي يمكن تقويمها بنقود وتكون معرضة لأخطار الملاحة.

انطلاقا من هذا الفصل نلاحظ أن المحل يمكن أن يكون سفينة كما يمكن أن يكون بضاعة:
التأمين على السفــن

لا يشمل هذا التأمين جسم السفينة فحسب، ولكنه يمتد أيضا ليشمل عدتها وعتادها أي ملحقاتها بما في ذلك صوائر التجهيز والمؤونة والوقود وهذا ما يمكن أن نسميه بالتأمين على الأشياء، كما أنه يشمل بعض الأضرار الحاصلة للغير وهذا ما يسمى بالتأمين على المسؤولية.

وينبغي التذكير أن المجهز غالبا ما يمؤمن على أجرة نقل البضائع أو الأشخاص وفي هذا الإطار نجد الفصل 347 من ق.ب.م ينص على أنه: إذا كان عمل التأمين هو أجرة النقل الصافية فإن مبلغ هذه الأجرة يقدر في حالة سكوت العقد بنسبة 60% من أجرة النقل الإجمالية، ومع ذلك فإن التأمين على أجرة النقل الصافية يبقى ناذرا في الحياة العملية، إذ لا يمكن تصوره إلا في حالة نقل بضائع معزولة.

التأمين على البضاعــة

يكون التأمين على البضاعة برسم رحلة بحرية أو تأمين وفق بوليصة خاصة، وإما بواسطة الوثيقة العائمة أو وثيقة الاشتراك.

أولا : التأمين على الرحلة البحرية أو بواسطة بوليصة خاصـة

يسمى التأمين المبرم بخصوص الرحلة البحرية بالتأمين وفق بوليصة  خاصة، ويقع  هذا التأمين على جميع أنواع البضائع ما عدا القيم والأوراق البنكية التي تستوجب موافقة المؤمن. وفي جميع الحالات فإن قيمة البضائع يتم تحديدها في العقد، وفي حالة عدم تعيينها في العقد، يمكن إثباتها بواسطة الفواتير والدفاتر، وإن لم توجد وقع التقييم بمقتضى السعر الجاري به في زمن ومكان الشحن على أن تحسب داخلة في هذا السعر جميع الواجبات المؤداة والصوائر المنفقة حتى إيصال البضائع إلى ظهر السفينة وأجرة النقل المشترط أداؤها أية كانت الظروف وكذلك وجيبة التأمين، وكذلك الربح المؤمل إذا اقتضى الأمر ذلك (الفصل 342 من ق.ب.م).

ثانيــا : الوثيقة العامة أو وثيقـة الاشتـراك

في هذه الحالة تؤمن البضائع من المخاطر التي تتعرض لها بما يسمى بالوثيقة العائمة، وهي عقد يتفق فيه المؤمن والمؤمن له على تأمين كل البضائع التي يشحنها المؤمن له خلال فترة معينة تكون عادة اثنا عشر شهرا في حدود مبلغ معين، وتسمى بالعائمة لأن المؤمن له لا يعرف مقدار البضاعة التي يشحنها فهي تضع الشروط العامة للتأمين دون تفاصيل الشحنات التي تغطيها وتتحدد هذه الشحنات عند الشحن الفعلي، وعلى ذلك يلتزم المؤمن له  قبل المؤمن  بإعلان هذه الشحنات التي يغطيها التأمين، وهو أسلوب يتفق مع الشحنات الصغيرة المتكررة التي تتطلب من المؤمن إبرام عقود متعددة ومتلاحقة، لولا البوليصة العائمة.

 

 
بعد إبرام عقد التأمين تأتي المرحلة الموالية و المتعلقة بتنفيذ الالتزامات[38] المتفق بشأنها و المضمنة في  وثيقة التأمين أو ملحقاتها ، وهكذا فإن وثيقة التأمين ترتب التزامات في عاتق المؤمن له (الفقرة الأولى ) كما هو الشأن بالنسبة للمؤمن ( الفقرة الثانية ).

 

الفقرة الأولى : التزامات المؤمن له

 

عندما يبرم المؤمن له عقد التأمين البحري، فإنه يلتزم بدفع قسط التأمين المتفق عليه إضافة إلى التزامات تبعية مختلفة.

فقسط التأمين وهو المبلغ الذي يدفعه المؤمن له للمؤمن مقابل تحمل هذا الأخير الخطر والالتزام بالتعويض عنه عند تحققه[39].

ويؤدى هذا القسط إما نقدا أو عينا أو في صورة القيام بعمل أو في شكل حصة من الأرباح، وذلك إما عند إبرام العقد أو عند نجاح الإرسالية البحرية، ولكن كيف يتم تحديد هذا المبلغ ؟ وماذا عن أدائه وضماناته؟

أولا : تحديد مبلغ التأميــن

يحدد هذا المبلغ في عقد التأمين أو لمدة معينة [40]، وفي جميع الحالات لا يمكن أن يكون حسب الأخطار المؤمن عليها.

وتجدر الإشارة إلى أن عدم تحديد مبلغ التأمين لا يبطل عقد التأمين، بحيث أنه في هذه الحالة يعتد إما بالسعر القانوني لأقساط التأمين وإما بالسعر المعقول اللهم إذا تم الاتفاق عليه، وتم دفعه إلى المؤمن.

ففي التأمين على السفن تحدد وجيبة التأمين عمليا بالنظر إلى القيمة المؤمن عليها والتي يتم تحديدها بواسطة رتبة السفينة وعنصر احتمال الأخطار.

أما بالنسبة للتأمين على البضائع فإن الوجيبة تحدد بالنظر إلى الخطر الذي يهدد الإرسالية وكذا طبيعة هذه البضائع، وقد يتفق الأطراف على دفع علاوة واجبات التأمين إذا تعهد المؤمن بضمان بعض الأخطار المستثناة (المادة 11 من بوليصة التأمين على البضائع)، بل يجوز تخفيضها كلما قلت حدة هذه الأخطار. ذلك لأن قاعدة عدم تغيير قسط التأمين ليست من النظام العام.

ثانيا : الوفاء بوجيبة التأمين وضمانات ذلـك

 

على مستوى الممارسة العملية، فإن الوفاء بهذه الوجيبة وبطلب من المؤمن له يتم على أربع دفعات، وذلك  في المكان والزمان المتفق عليهما في العقد. وهكذا فإننا نلاحظ عمليا أن الوفاء بهذه الوجيبة ، وذلك وفقا  لمقتضيات  المادة 14 من بوليصة التأمين على السفن، أي بعد 30 يومتا ثم بعد 3 أشهر ثم بعد 6 أشهر ثم أخيرا بعد 9 أشهر.

ومع ذلك فالمبدأ يقضي بدفعها كاملة، وبذلك فلا يبدأ الضمان في السريان إلا ابتداء من تاريخ الوفاء.

أما في التأمين لمدة محددة، فإن الوجيبة تكون واجبة الأداء داخل أجل 30 يوما من التعهد بضمان الأخطار بدون خصم إذا كانت المدة تقل عن 12 شهرا وبخصم 3 % إذا كانت تساوي هذه المدة، أما في التأمين على البضائع فإن الوجيبة تكون لازمة الوفاء في مكان التعاقد بمجرد ما يتسلم المؤمن له وثيقة التأمين، لكن إذا لم يقع الوفاء داخل أجل 8 أيام فإن التأمين يتوقف تلقائيا بدون إخطار، وبالتالي لا يطالب المؤمن بأي تعويض عن الضرر الحاصل خلال هذا التوقف، كما أن مؤمّن البضاعة يتمتع بامتياز عليها لضمان وفاء وجيبات التأمين[41].

فبالإضافة إلى الالتزام الأصلي المترتب في ذمة المؤمن له هناك التزامات تكميلية أوردها المشرع في االقانون البحري المغربي منها:

-تقديم العناية المعقولة لكل الأشياء التي هي محل التأمين.

-التصريح للمؤمن له أثناء إبرام عقد التأمين بكل الظروف التي تأخذ بعين الاعتبار من طرف المؤمن.

- إخبار المؤمن بكل تعقيدات الأخطار.

-المحافظة على حقوق الرجوع على الغير المسؤول والتخفيف من آثار الحادث.

يلتزم المؤمن له أيضا بالتصريح عن الحادث للمؤمن فور وقوعه وفقا لما هو منصوص عليه في بوليصة النقل، ويجب أن يتم هذا التصريح داخل أجل 3 أيام من وقوع الحادث حتى يتمكن المؤمن من مراقبة الظروف التي وقع فيها الحادث[42].

كما تفرض المادة 366 من ق.ب.م على المؤمن له اتخاذ جميع التدابير الضرورية لإثبات العواريات التي لحقت السفينة أو البضاعة المؤمن عليها وكذا أسباب هذه الخسارات، و  يقوم بهذه المعاينة من الناحية العملية وكيل المؤمن  بناء على طلب المرسل إليه ، و بذلك  تكون هذه المعاينة بمثابة الخبرة[43].

إلا أنها تقبل الخبرة المضادة داخل أجل 15 يوما، بل ويمكن للمرسل إليه أن يطلب من المحكمة المختصة خبرة قضائية.

الفقرة الثانية: التزامات المؤمـن

 

إن أهم التزام يقع على كاهل المؤمن يتمثل في أداء التعويض عند حلول الخطر المؤمن ضده ، وقد عمل المشرع بالإضافة إلى المخاطر غير المشمولة بالتأمين على إقصاء بعض أسباب الحوادث وكذا بعض الأضرار من نطاق هذا الالتزام.

وهكذا لا يلزم المؤمن بضمان :

-الأضرار والخسائر المادية الناتجة عن عيب خفي بالبضاعة المؤمنة .

-الأضرار والخسائر المادية الناتجة عن غرامات الحجز، التهريب، التجارة المحظورة...

-التعويض الناتج عن حجز أو كفالة تم أداؤها لصالح الأشياء التي وقع عليها الحجز.

-الأضرار التي ليست لها علاقة بالأشياء المؤمنة، كالبطالة والتأخير، تباين سعر    العملات و  فوائد التأخير، وكذا كل الأضرار الناتجة  عن عملية   تصدير أو   استيراد ممنوعة [44].

         فإذا استجمعت شروط صحة العقد و حصل الحادث، ننتقل إلى التعويض عنه ، ويكون ذلك إما عن طريق التسوية الودية أو عن طريق القضاءوفي هذا الصدد صدر قرار عن المجلس الأعلى قضى فيه : * بأن إدارة اتفاقية التأمين تعود إلى مختار المؤمنين وحده الذي يجب أن يعترف له بحق المخاصمة باسم المؤمن له أمام القضاء ، و أنه من الطبيعي أن تحل الشركة المختارة التي سددت للمؤمن له التعويض عن الضرر محل هذا الأخير في الحقوق و الادعاءات طبقا للفصل 367 من القانون التجاري البحري[45]، وفي هذه الحالة الأخيرة نكون أمام دعوى الخسارة عندما يأخذ التعويض شكلا نقديا، ويقصد بالخسارة الهلاك والعوار اللاحق بالشيء المؤمن عليه. ويتم حساب هذا التعويض بناء على الضرر الذي أصاب المؤمن له. ونظرا للطابع الجبري للتأمين البحري، فإنه لا يمكن للمؤمن له أن يحصل على مبلغ التعويض يفوق حجم الضرر الذي تعرض له.

ومع ذلك فإن مبلغ التعويض عند تأديته يمكن أن يكون مساويا لقيمة الأشياء المؤمنة عندما تكون هذه الأخيرة أقل أو أكثر من القيمة الحقيقية لتلك الأشياء، بشرط أن يكون المؤمن حسن النية ويبقى له حق الرجوع على المسؤول عن الخطر وفي هذا الاتجاه قرر المجلس الأعلى أن: الفقرة الأولى للفصل 367 من ظهير التجارة البحرية تنص على أن أداء المؤمن للتعويضات الملقاة على عاتقه ينقل إليه بقوة القانون و عن طريق الحلول جميع الحقوق و الدعاوى و المتابعات التي يملكها المؤمن له ضد الغير بسبب الخسائر و العواريات التي استوجبت هذا الأداء [46] .

وينتج عن هذا أن أداء التعويض يختلف ويتعقد تبعا لإرادة الأطراف المتعاقدة، وفي جميع الأحوال يبقى على المؤمن أداء التعويضات الموجودة في ذمته داخل أجل 30يوما من تاريخ تقديم المؤمن له لجميع الوثائق المثبتة لذلك.

ولا يمكن متابعته قبل انصرام هذا الأجل، كما أن إثبات المؤمن لعكس ما يدعيه المؤمن له، لا يوقف الحكم الصادر بأداء التعويض بشرط أن يقدم المؤمن له كفالة، وينقضي التزام الكفيل بمرور سنتين إذا لم تكن هناك متابعة ([47]).

 

 

 الكتب

* محمد برادة غزيول: الاستيراد والتصدير والإشكالات القانونية، الطبعة الثانية1999 .

* محمد كمال حمدي: عقد الشحن والتفريغ في النقل البحري ، دار المطبوعات الجامعية، الاسكندرية 1977 .

* محمد طلبة عويض: ْ المبادئ الأساسية للتأمين ْ طبعة 1977.

* سعيد يحي حقي : مسؤولية الناقل البحري وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لنقل البضائع بالبحر لعام 1978/ منشأة المعارف الاسكندرية

* عبد السلام أحمد فيغو : ْ عقد التأمين ْ طبعة 2000

* يونس بنونة: مسؤولية الناقل البحري على ضوء القانون المغربي – دراسة مقارنة مع اتفاقية هامبورغ لسنة 1978-، أكتوبر 1993، المطبعة السريعة

المحاضرات

عزيز الفتح: محاضرات ألقيت على طلبة السلك الثالث، وحدة المهن القضائية والقانونية، كلية الحقوق- السويسي- الرباط، السنة الجامعية 2004/2005.

المجلات

* مجلة المحاكم المغربية عدد 56ص 106.

* قضاء المجلس الأعلى، الإصدار الرقمي، العدد 37- 38

القوانين

مدونة التجارة البحرية .

 

 

مقدمة....................................................................................1

 

المبحث الأول: عقد النقل البحري..........................................2

 

المطلب الأول : الأحكام العامة لعقد النقل البحري...........................................2

المطلب الثاني: مسؤولية الناقل البحري......................................................3

 

 

المبحث الثاني:  التأمين البحري...........................................7

 

المطلب الأول: كيفية إبرام عقد التأمين البحري ............................................9

 المطلب الثاني: تنفيذ عقد التأمين البحري ................................................. 12

 

 

 

 



[1][1]- محمد برادة غزيول: الاستيراد والتصدير والإشكالات القانونية، الطبعة الثانية1999،ص 137.

[2]- انظر في هذا الاطار محمد كمال حمدي: عقد الشحن والتفريغ في النقل البحري ، دار المطبوعات الجامعية، الاسكنرية 1977ص5.

[3]- أستاذنا عزيز الفتح: محاضرات ألقيت على طلبة السلك الثالث، وحدة المهن القضائية والقانونية، كلية الحقوق- السويسي- الرباط، السنة الجامعية 2004/2005.

[4]- محمد كمال حمدي: مرجع سابق،ص35.

[5]- انظر المادة الأولى من اتفاقية هامبورغ.

[6]- انظر الفصل 206 من القانون البحري المغربي.

[7]- انظر مثلا القرار عدد 421 الصادر بتاريخ 26/02/1986 عن محكمة الاستئناف بالدارالبيضاء ملف تجاري عدد 1302/83 منشور في مجلة المحاكم المغربية عدد 56ص 106.

[8]- محمد برادة غزيول" مرجع سابف، ص 141.

[9]- سعيد يحي حقي : مسؤولية الناقل البحري وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لنقل البضائع بالبحر لعام 1978/ منشأة المعارف الاسكندرية ص 120.

[10]- للمزيد من التوسع حول سند الشحن وأنواعه، انظر محمد برادة غزيول: مرجع سابق، ص 142و143. 

[11] - محمد برادة غز يول: الاستيراد والتصدير والإشكالات القانونية، الطبعة الثانية، 1999، ص 151.

[12]- قرار عدد 1604 الصادر بتاريخ 19/11/1999، ملف تجاري عدد 824/91.

[13]- أستاذنا عزيز الفتح: محاضرات ألقيت على طلبة السلك الثالث ، وحدة المهن القضائية والقانونية، كلية الحقوق السويسي الرباط، السنة الجامعية 2004/2005.

[14]- قرار عدد 1194، صادر بتاريخ 15ماي 1985 ملف مدني 94198 ، مجلة قضاء المجلس الأعلى، الإصدار الرقمي، العدد 37- 38، دجنبر 2000،ص 76.

[15]- قرار عدد 601 الصادر بتاريخ 13 مارس 1985، ملف مدني رقم 899370، مجلة قضاء المجلس الأعلى ، المرجع السابق، ص 24.

[16]- يونس بنونة: مسؤولية الناقل البحري على ضوء القانون المغربي – دراسة مقارنة مع اتفاقية هامبورغ لسنة 1978-، أكتوبر 1993، المطبعة السريعة، ص 63.

[17]- قرار رقم 1283ملف 1600/84 منشور في مؤلف: يونس بنونة، المرجع السابق، ص 65.

[18]- قرار رقم 706 ملف تجاري عدد2346/84 .

[19]- يونس بنونة: مرجع سابق، ص71.

[20]- القرار عدد 2915 المؤرخ في 6/05/1998 ملف مدني عدد 2255/97.

[21]- محمد برادة غزيول: مرجع سابق ، ص 157.

[22]-  ظهر مع الرومان وقد كان يطلق عليه اسم القرض ، لأن رض القرض كان مشروطا بوصول البضاعة سليمة إلى الميناء .[22]

[23] - عبد السلام أحمد فيغو : ْ عقد التأمين ْ طبعة 2000 ، ص : 11 .

[24] -  على اعتبار أن الإسلام يحرم التأمين ويعتبره نوعا من الربا و المقامرة و الغرر وتجدر الإشارة أن بعض الدول لا تعمل بنظام للتأمين على الأساس السابق ك السعودية .

[25] -  تم تنظيم التأمين البحري في القسم الرابع من الكتاب الثالث من القانون البحري المغربي في الفصول من 345 إلى 390

[26] -  انظر للمزيد من التوسع عبد السلام أحمد فيغو : ْعقد التأمين ْ مرجع سابق ، ص: 21 الهامش

[27] -  تعريف ليكار وبيسون أورده أورده عبد السلام أحمد فيغو: المرجع السابق ، ص: 25 و 43 .

[28] - قرار المجلس الأعلى رقم 4727 بتاريخ 23 فبراير 1955

[29] -  لهذا فهي محرمة في الشريعة الإسلامية .

[30] - قرار المجلس الأعلى رقم 4065 بتاريخ 3 ماي 1949 .

[31] - انظر الفصل 345 من مدونة التجارة البحرية .

[32] - قرار المجلس الأعلى رقم 4727 بتاريخ 23 فبراير 1955

[33] - أورده عبد السلام أحمد فيغو :ْ عقد التأمين ْ مرجع سابق ،ص: 169 .

[34] - قرار المجلس الأعلى رقم 4740 صادر بتاريخ 4 يوليوز 1956 .

[35] - الفصل 506و363  من القانون البحري المغربي .

[36] - الفصل 364 من القانون البحري المغربي .

[37] - انظرمحمد طلبة عويض: ْ المبادئ الأساسية للتأمين ْ طبعة 1977ص: 1010 و ما بعدها .

[38] - حددها المشرع في الفصول من 354 إلى 373 من مدونة التجارة البحرية .

[39] - أشار إليه المشرع في المادة 75 من القرار الوزيري التي نصت على أنه: قسط التأمين هو المقابل المالي الذي يلتزم المؤمن له بدفعه للمؤمن من أجل تغطية الخطر المؤمن ضده .

[40] -المادة 365 من ق.ب.م

[41] - المادة 387 من ق.ب.م

 

[42]-   الفصل 353/ 2 من ق.ب.م

 

- راجع قرار عدد 43 صادر بتاريخ 14/1/1986 عن محكمة الاستئناف بالبيضاء، منشور بالمجلة المغربية للقانون عدد 3 سنة 1986 صفحة 175. [43]

[44] - انظر الفصل 360 من ق.ب.م.

[45] - قرار رقم 4725 صادر بتاريخ 26 يناير 1955 .

[46] -  قرار المجلس الأعلى رقم 4065 بتاريخ 3 ماي 1949 .

[47] - انظر والفصل 367 من ق.ب.م.

(0) تعليقات

نزاعات الصفقات العمومية بعد إبرام العقد

نزاعات الصفقات العمومية بعد إبرام العقد
 
                    إعداد الطالبة:
                               رشيدة المساوي
الدولة كشخص عام مكلفة بتسيير الشؤون العامة لمواطنيها ، والسهر على راحتهم وأمنهم ، إلا أنه ونظرا لتعدد المشاريع التي يتم برمجتها ، وما تتطلبه من موارد بشرية وتنظيمات معقدة ، فإنها (الدولة) تتفادى احتكار الأشغال وتعتمد على أساليب مختلفة لإدارة المرافق العامة ، وذلك بالدخول في علاقات تعاقدية مع الأفراد والمؤسسات ، هذه الأخيرة التي يمكن أن تكون ذاتية أو معنوية  عامة أو خاصة ، كما أن الدولة يمكن أن تلجأ للتعاقد مع أفراد ومؤسسات أجنبية [1]، وجدير بالذكر أن العقود التي تبرمها الإدارة ليست من طبيعة واحدة بل تنقسم إلى قسمين:

-عقود الإدارة التي تخضع للقانون الخاص (contras de droit privé de l’administration ) حيث تنزل الإدارة منزلة الخواص ، ويختص القضاء العادي بالمنازعات التي تنشأ بينها والمتعاقد[2]. .

-عقود الإدارة التي تخضع للقانون العام،وهي ما يعرف بالعقود الإدارية (contrats administratifs) هذه الأخيرة يمكن تعريفها بأنها كل عقد يبرمه شخص معنوي بقصد تسييرا لمرفق العام أو تنظيمه .

وإذا كانت شروط العقد الإداري تتمثل أساسا في :

- ،تضمن العقد شروطا استثنائية غير مألوفة في  القانون الخاص ؛

- -وان تكون الإدارة ظرفا في العقد ؛

- وأن يتصل العقد بتسيير مرفق عام ، فإن الصفقة تعتبر عقد إداريا بقوة القانون[3].

         ونظرا لكون الإدارة تظل محتفظة بكامل صفاتها الأصلية ، وبجميع اختصاصاتها كسلطة عامة تعمل لتحقيق الصالح العام ومكلفة قانونا بتنظيم المرافق العامة ، فإن هذه الصلاحيات التي تملكها الإدارة ، قد تجعلها تلجأ في بعض الأحيان إلى بعض التصرفات ، التي من شأنها الإضرار بمصالح المتعاقد معها ، حيث يجد هذا الأخير نفسه مضطرا للاحتماء من هذه السلطة بجهة أخرى قد تكون جهة الإدارة نفسها ، أو لجن مستقلة ، أو باللجوء إلى القضاء الإداري ، كملجأ أخير يضمن مساواة الجميع أمام القانون .

         وهكذا وأمام تنامي لجوء الإدارة إلى التعاقد عبر إبرام الصفقات العمومية ، فإن المشرع عمد على إصدار قانون خاص بهذا الموضوع ، ويتعلق الأمر بالمرسوم المؤرخ في 14/10/76 [4]، إلا أنه ونظرا للمشاكل التي كانت تعاني منها الصفقات في إطار هذا المرسوم ،فقد تم تنظيم الموضوع مجددا بمقتضى المرسوم رقم482-98-2 المؤرخ في 30/12/ 1998المتعلق بشروط وأشكال إبرام صفقات الدولة ،  وكذا المرسوم رقم 1087-99-2 والمتعلق بدفتر الشروط العامة المطبقة على صفقات الأشغال الصادر في 04/05/2000  [5] وغيره من المراسيم و المناشير المتعلقة بالموضوع .

         و لأن موضوعنا يتعلق بالمنازعات الناشئة عن الصفقات العمومية بعد إبرام العقد ، فإنه يمكن لنا التساؤل عن أهم المنازعات التي يمكن أن تنشأ عن الصفقات العمومية بعد إبرام العقد ، إلا أنه قبل أن نتطرق لهذه المنازعات ، فإنه لابد من توضيح الجهة المختصة للنظر في هذه النزاعات ، لذلك ارتادينا تقسيم عرضنا إلى مبحثين وذلك على الشكل التالي:

·       المبحث تمهيدي : الاختصاص  البت في النزاعات الناشئة بعد إبرام العقد

·       المبحث الأول: المنازعات المتعلقة بتنفيذ العقد

·       المبحث الثاني : المنازعات المتعلقة بانتهاء الصفقة

 

 

  المبحث التمهيدي: اختصاص البت في النزاعات الناشئة بعد إبرام الصفقة العمومية

 

إن المتعامل مع الإدارة يجد نفسه أمام عقد غير عادي ، الشيء الذي به إلى التساؤل عن إمكانية إعمال إرادته لحل النزاع الذي قد ينشأ بينه وبين الإدارة صاحبة المشروع عن طريق التحكيم ( المطلب الأول ) أم أن هذه الإمكانية لا يمكن اللجوء إليها في ظل الصفقة العمومية باعتبارها عقدا إداريا بقوة القانون وبالتالي فإنه يجد نفسه مضطرا للجوء إلى القضاء (المطلب الثاني) .

 

المطلب الأول : مدى إمكانية اللجوء إلى التحكيم

 

أمام الدور الكبير الذي أصبح يلعبه التحكيم في المعاملات الوطنية أو الدولية ، يطرح التساؤل عن مدى قانونية الاتفاق على التحكيم في الصفقة العمومية [6]؟ وتظهر أهمية هذا التساؤل بالنظر إلى مركز الإدارة ، المتمثل في كونها أحد أشخاص القانون العام ، هذه الأخيرة التي تستطيع باعتبارها صاحبة السلطة والمصلحة العامة أن تحصل على حقوقها بإصدار أي قرار ترى فيه مصلحة عامة لمرافقها [7].

 

الفقرة الأولى: استبعاد الصفقات العمومية من مجال التحكيم

 

لقد أثيرت إشكالية تضمين عقد الصفقة العمومية شرط اللجوء إلى التحكيم في العديد من البلدان ، فبمقتضى الفصل 306 من ق م م نص المشرع صراحة على عدم إمكانية الاتفاق على التحكيم في النزاعات المتعلقة بعقود أو أموال خاضعة لنظام يحكمه  القانون العام .

إلا أنه وبغض النظر عن هذا النص القانوني فإن بعض المؤسسات العمومية تنص في كناش التحملات المتعلق ببعض صفقاتها على إلزامية اللجوء إلى التحكيم ، كما هو الأمر بالنسبة للمادتين 16 و26 من كناش التحملات للمكتب الوطني للسكك الحديدية ، وعقدة التسيير التي تربط إحدى الشركات بجماعة الصخور السوداء بالدار البيضاء ، والمتعلقة بجمع النفايات المنزلية حيث تنص عل ما يلي : كل النزاعات التي تحصل أتناء تنفيذ العقد تعرض على لجنة تحكيمية يرأسها عامل عمالة عين السبع الحي المحمدي ومكونة من رئيس جماعة الصخور السوداء و مسير[8] .

أما بالنسبة للمشرع الفرنسي فالتحكيم غير مشروع كذلك في المنازعات المتعلقة بالدولة والهيئات والمؤسسات العامة إلا انه بالنسبة للمشروعات التجارية والصناعية العامة فيمكن الترخيص لحل نزاعاتها بالتحكيم بمقتضى مرسوم[9] ، وقد طبق مجلس الدولة الفرنسي هذا المبدأ عندما اعتبر أن : إدراج شرط التحكيم بالعقود الإدارية يعد باطلا ، وإدراجه لا يعد عائقا في اللجوء إلى القضاء الإداري مباشرة .

 

الفقرة الثانية : التحكيم كوسيلة لفض النزاع

 

إذا كان قانون المسطرة المدنية يضع قاعدة عامة مفادها عدم إمكانية اللجوء إلى التحكيم كلما تعلق الأمر بعقود يحكمها القانون العام فإنه بالرجوع إلى مرسوم 30/12/1998 والمتعلق بتحديد شروط وأشكال إبرام صفقات الدولة وكذا بعض المقتضيات المتعلقة بمراقبتها وتدبيرها نجد الفصل الثاني ينص على انه : يمكن الحيد عن مقتضيات هذا القانون فيما يتعلق بالصفقات العمومية المبرمة في إطار الاتفاقيات والمعاهدات التي وقعها المغرب مع هيئات دولية أو دول أجنبية إذا نصت هذه الاتفاقية أو المعاهدة صراحة على تطبيق شروط وأشكال خاصة بإبرام الصفقات .

و الملاحظ ان هذه المادة تتعلق بالصفقات التي تبرم مع طرف أجنبي ، حيث يجوز في هذه الحالة اللجوء إلى التحكيم  ، ولعل المشرع ابتغى من وراء ذلك حل بعض المشاكل والمتعلقة أساسا بالقانون الواجب التطبيق ، وكذا التزاما منه باتفاقية نيويورك المتعلقة بالتحكيم التجاري الدولي ، وقد سارت العديد من الدول في  نفس المنحى كما هو الشأن بالنسبة للمشرع التونسي ، الذي اعتبر في حكم ان الدفع ببطلان شرط التحكيم في العقد المبرم بين شركة الكهرباء والغاز التونسية و إحدى الشركات الفرنسية لا يعتد به على اعتبار أن التحكيم يعد صحيحا وملزما حتى مع وجود نص تشريعي يضع قيدا على ذلك[10] .

 

المطلب الثاني : اختصاص المحاكم  في المنازعات المتعلقة بالصفقات العمومية

 

سنتطرق في هذا المبحث للجهة المختصة نوعيا للبت في النزاع (الفقرة الأولى ) وما يطرحه هذا الموضوع من إشكالات (الفقرة الثانية ) .

 

الفقرة الأولى : الاختصاص النوعي

 

إذا كان المشرع قد أجاز سواء للمتعاقد أو لغيره اللجوء إلى الطعن لإلغاء القرارات المنفصلة[11] عن العملية العقدية ، فإنه مباشرة بعد التعاقد يطرح السؤال عن الجهة المختصة للنظر في المنازعات التي قد تنجم عن عقد الصفقة ، خاصة أن الإدارة ونظرا للامتيازات التي تتمتع بها والمستمدة أساسا من مهمتها المتمثلة في الحفاظ على المصلحة العامة ، قد تعمد إلى إصدار قرارات تضر بمصلحة الطرف المتعاقد .

بالرجوع إلى المادة 8[12] من القانون رقم 41-90 المحدثة بموجبه المحاكم الإدارية نجدها تسند الاختصاص للمحاكم الإدارية كلما كان النزاع ناشئا عن عقد إداري ، وبما أن الصفقة العمومية عقد إداري بقوة القانون ، فإن النزاعات الناشئة عن هذا العقد يدخل في الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية ، أي القضاء الشامل بالمحاكم الإدارية ، وهذا الاختصاص يمتد ليشمل جميع المنازعات المتعلقة بالإجراءات التي تتخذها جهة الإدارة بعد التعاقد حتى ولو انصب النزاع على إلغاء قرار اتخذته الإدارة المتعاقدة أثناء تنفيذ العقد وأساس ذلك أن ما تصدره الإدارة م قرارات تنفيذا للعقد مثل القرارات الصادرة بتوقيع أي من الجزاءات العقدية أو فسخ العقد أو إنهائه[13] ، وتكون المنازعات المتولدة عن تلك القرارات والإجراءات هي منازعات حقوقية تدخل في نطاق القضاء الشامل دون قضاء الإلغاء ، ويترتب عن ذلك أن كل نزاع نشأ عن علاقة تعاقدية بين الإدارة والمتعاقد معها يخضع للقضاء الشامل ، وقد تم تكريس هذا المبدأ من خلال مجموعة من الاجتهادات القضائية حيث اعتبرت المحكمة الإدارية بالرباط [14] أن : المنازعة حول قيام الإدارة بفسخ عقد إداري هي منازعة تنصب حول العقد ، وبالتالي يبقى القضاء الشامل هو المختص بالنظر فيها ، وأن القرار الإداري القاضي بفسخ عقد الصفقة هو قرار متصل بالعقد الإداري لا منفصل عنه ، وبالتالي لا يجوز تقديم دعوى الإلغاء في مواجهته نظرا لوجود دعوى موازية ، وقد ذهبت نفس المحكمة في اجتهاد آخر[15] إلى : عدم قبول طلب إلغاء قرار صادر عن الإدارة في إطار تنفيذ العقد معللة حكمها بأنه : حيث إن القرار المطعون فيه لا يعتبر قرارا منفصلا ، وإنما متصل ، وما دام النزاع ينحصر حول تنفيذ بنود العقد ، الشيء الذي يتعين معه على الطاعن تقديم دعواه في إطار القضاء الشامل .....

وبما أن اختصاص القضاء الإداري للبت في منازعات الصفقات العمومية شامل لكل ما يتعلق بتكوين العقد أو تنفيذه أو إنهائه ، فإنه يشمل كذلك المنازعات المتفرعة عن هذا العقد ، ومن بينها المنازعات التي يمكن رفعها في إطار طلبات استعجالية ، وفي هذا الصدد اعتبرت المحكمة الإدارية بمراكش[16] أن : اختصاص القضاء المستعجل الإداري رهين بانعقاد الاختصاص في الأصل للمحكمة الإدارية الذي هو فرع منها ، وفي نفس المنحى اتجهت المحكمة التجارية بالرباط[17] حيث ذهبت إلى : أن الصفقات العمومية موضوع عقود إدارية تختص بها المحاكم الإدارية ، وتبعا لذلك لا يكون القضاء التجاري المستعجل مختصا بإصدار أوامر وقتية ، اما بالنسبة لاختصاص قاضي المستعجلات الإداري في النزاعات الناشئة عن عقد الصفقة ، فإنه وما دام القانون المحدث للمحاكم الإدارية قد أحال بخصوص الموضوع على مقتضيات المسطرة المدنية فإن القضاء المغربي أكد على ذلك من خلال العديد من المناسبات حيث اتجه إلى : اعتبار النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية والصفقات العمومية لايختص بالنظر فيها قاضي المستعجلات الإداري إذا كان البت فيها فيه مساس بالجوهر ، وذلك تطبيقا للمواد 7و19 من القانون رقم 41-90 المحدثة بموجبه المحاكم الإدارية والفصل 152 من ق م م .

 

الفقرة الثانية : الإشكالات المرتبطة بالاختصاص النوعي

 

بمقتضى المادة 72 من مرسوم 30/12/1998 فإن الإدارة يمكنها القيام مباشرة باقتناء توريدات تسلم في الحال أو إنجاز أشغال أو خدمات في حدود مائة ألف درهم 100.000.00 درهم وبرسم سنة واحدة مع إمكانية رفع هذا المبلغ بقرار يتخذه الوزير الأول بعد استطلاع رأي الوزير المكلف ، وهذا الأسلوب من التعاقد طرح إشكالات قانونية حول الجهة القضائية المختصة نوعيا للبت في النزاع الناشيء بين الإدارة و المقاول أي التعاقد عبر سندات الطلب ، وهكذا فقد اتجهت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في إحدى قراراتها[18] إلى انه : بما أن العقد لا تتوفر فيه مقومات الصفقة العمومية ، وبما أن قيمة المعاملة قد حددت مبدئيا في 90.481.75 درهم ، وبما أنه رخص للإدارات والجماعات الحق في إبرام تعاقدات في إطار القانون الخاص وعن طريق سندات الطلب ، فإنه رغم الهدف المتوخى من وراء التعاقد و المتمثل في المصلحة العامة فإن الاختصاص ينعقد للقضاء العادي طبقا للقانون الخاص وليس لجهة القضاء الإداري ، إلا أن هناك اتجاه آخر للقضاء الإداري المغربي يرى أن مجرد تنصيص الفصل الثاني يمن المرسوم المشار إليه أعلاه على استبعاد العقود التي تبرمها أي إدارة طبقا لشكليات القانون العادي من نطاق تطبيقه ، يعني أن لجوء الإدارة إلى التعاقد عبر سندات الطلب من اجل اقتناء توريدات أو إنجاز أشغال تعدو وبامتياز من مواضيع الصفقات العمومية لا يخرج النزاع من اختصاص القضاء الإداري ، وفي هذا الصدد اتجهت الغرفة الإدارية[19] إلى : انه ورغم عدم إبرام الأشغال – التي تعدت قيمة 100.000.00 درهم في الشكل و الإطار الذي حدده مرسوم 30/12/1998 فإن ذلك لا ينزع عنه صبغة العقد الإداري ، إذ يكفي الاعتماد على مقتضيات المرسوم لاعتبار موضوع ند الطلب عقدا إداريا ، والنزاع بشأنه ينعقد للقضاء الإداري .

وفي اعتقادي المتواضع فإن الرأي الأخير حري بالتأييد ، على أساس أن التعامل مع الإدارة هو من الخطورة بمكان ، لهذا السبب أوجد المشرع المحاكم الإدارية التي تراقب سلطة الإدارة في مختلف تصرفاتها ، و أن منح الإدارة لإمكانية إبرام  صفقات دون اللجوء إلى المسطرة المتعلقة بإبرام الصفقات العمومية كان له ما يبرره ، إذ أن استمرارية المرفق والسرعة تقتضي تجاوز المساطر، إلا أن هذا لا ينبغي أن يتم على حساب المتعاقد ، الذي قد لا يسعفه القضاء العادي في الكثير من الأحيان في الحصول على حقوقه خاصة خلال مرحلة التنفيذ ، على خلاف القضاء الإداري الذي حدت قراراته واجتهادا ته من الامبالات التي اتخذتها الإدارة لسنوات عدة تجاه أحكام القضاء .       

 

المبحث الأول : المنازعات المتعلقة بتنفيذ العقد

 

كما سبقت الإشارة فإن المنازعات الناشئة عن الصفقة العمومية ينعقد اختصاص البت فيها للقضاء الشامل حيث يملك القاضي سلطات تمكنه من الحكم بتعويض الضرر الناشيء عن تصرفات الإدارة وعن إلغاء بعض القرارات التي وقعت بمقتضاها إجراءات على المتعاقد رافع الدعوى فالإدارة باعتبارها صاحبة المشروع تسهر على تنفيذه بالكيفية التي تراها محققة للمصالح العامة وقد تختلف في ذلك مع المقاول المتعاقد مما قد ينتج عنه عدة منازعات تحتاج إلى حل قضائي ، فإذا كان الهدف الأساسي من إبرام الصفقة العمومية هو بتحقيق المصلحة العامة بالنسبة للإدارة فإن الطرف المتعاقد معها يهدف بالمقابل إلى إشباع رغبته الاقتصادية بحصوله على الربح دون التفريط في رأسماله فإن هذا التعارض في المصالح هو ما يؤدي إلى إخلال احد طرفي العلاقة التعاقدية بالتزاماته سواء تعلق الأمر بالإدارة ( المطلب الثاني ) أو المقاول ( المطلب الثالث ) إلا انه قبل التطرق لبعض مظاهر الإخلال بالالتزامات من الجانبين معا فإنه لابد من إلقاء نظرة عن أهم النصوص القانونية التي قد يقع بشأنها الإخلال فالنزاع ( المطلب الأول ) .

 

المطلب الأول : النصوص المنظمة للمراسلات والآجال والإجراءات

 

كما هو معلوم فإن دفتر الشروط الخاصة يحدد بالنسبة لكل صفقة أجل التنفيذ ، وهذا الأجل الذي ينبغي على المقاول أن يتقيد به باعتباره من أهم الالتزامات الملقاة على عاتقه وفي جميع الأحيان فإن اجل تنفيذ الصفقة لا يخرج عن إحدى الصور الثلاث :

الصورة الأولى : أن يتم التعاقد على تنفيذ الأشغال في مدة معينة وهذه هي الطريقة الغالبة في تحديد اجل الصفقات1

الصورة الثانية : أن يتم الاتفاق على أن أجل تنفيذ الصفقة ينتهي بانتهاء الأشغال وكمثال على ذلك أنه إذا كانت الأشغال المتفق على إنجازها تتعلق بتشجير مكان معين فإن هذه الأشغال تنتهي بانتهاء بتشجير آخر شجرة .

الصورة الثالثة : أن يتم الاتفاق أن الأشغال تنتهي بانتهاء بعض المنشآت أو أجزاء منها وهي ما يسمى بالصفقات المحددة بأجل جزئي [20].

على أنه ومهما كانت طبيعة أجل تنفيذ الصفقة فإن كل أجل قرر في العقد لصاحب المشروع أو المقاول فإنه ينطلق من اليوم الموالي ليوم حدوث الفعل أو الواقعة المنشئة للأجل ، كما أن هذا الأخير يعبر عنه بالأيام والشهور[21] .

أما بالنسبة للمراسلات التي تتم بين صاحب المشروع  والمقاول فإن هذا الأخير كما ينص على ذلك دفتر الشروط الإدارية العامة يوجه وثيقة إلى صاحب المشروع أو السلطة المختصة أو الوزير ، كما يجب عليه أن يقوم بإيداعها لدى المرسلة إليه داخل الأجل المحدد في حالة تحديده ، وهذا الإيداع يتم بواسطة رسالة مضمونة تفيد الاستلام ، كما أن الإيداع يتم مقابل وصل ، والتاريخ المحدد في الوصل أو الإفادة بالاستلام يعتبر الوسيلة المتبثة كلما ثار نزاع بشأن الآجال .

 

المطلب الثاني : الإخلال بالالتزام من جانب الإدارة

 

إن قاعدة العقد شريعة المتعاقدين المعمول بها في المجال القانون الخاص ، لا يمكن للمتعاقد أن يحتج بها كلما تعلق الأمر بصفقة عمومية ، فنظرا لكون هذا لنوع من العقود ينبني على فكرة استمرار المرفق العمومي فإن الإدارة وتحقيقا لهذه الغاية ، يمكنها أن تتدخل لتعديل حجم الأشغال إما بالزيادة أو النقصان بحسب الأحوال وكلما استدعت حاجة المرفق إلى التعديل [22]، إلا انه ينبغي التمييز بين حالتين :

الحالة الأولى : عندما تعمد الإدارة المتعاقد معها إلى التعديل قبل البدأ  في تنفيذ الأشغال ، والتعديل في هذه الحالة يعتبر بمثابة صياغة جديدة للصفقة وفي هذا الصدد اتجهت المحكمة الإدارية بأكادير[23] إلى القول بأن : إجراء تعديلات على الصفقة قبل الشروع في تنفيذها يعتبر صياغة جديدة للصفقة في مواصفاتها وشروطها الفنية ويستلزم إعادة النظر في الالتزامات الناشئة عن الاتفاق الأصلي .

الحالة الثانية  : عندما تلجأ الإدارة المتعاقدة إلى التعديل بعد بدأ الأشغال ، وحتى لا تبقى سلطة الإدارة مطلقة فقد حدد كناش الشروط الإدارية العامة [24] النسب التي يجب على الإدارة التقيد بها في التعديل ، وهذه النسب تحدد انطلاقا من الحجم الأولي للأشغال ، فطبقا للمادة 53 من دفتر التحملات الإدارية العامة ، يجب التمييز بين وضعيتين :

·       الوضعية الأولى : التقليص من حجم الأشغال بنسبة لا تتجاوز % 25 ، فالمتعاقد في مثل هذه الحالة عليه مواصلة الأشغال ، وطلباته الرامية إلى الحصول على تعويض تكون غير مسموعة .

·       الوضعية الثانية : عندما تفوق نسبة التقليص  % 25  ، والمتعاقد في هذه الحالة له الحق في فسخ الصفقة ، إذا لم يتم بعد البدأ في الأشغال و إلا فيمكن للمتعاقد متى طلبت منه ذلك الإدارة  إبرام ملحق الصفقة عن المبلغ الجديد للصفقة ، والإدارة ليس لها الحق في تحديد ثمن الأشغال الإضافية بإرادتها المنفردة ، بل لا بد من التشاور مع المتعاقد لإعداد الثمن الجديد ، وفي حالة عدم الاتفاق بين الطرفين فإن التعديل المقترح من طرف الإدارة يبقى ساري المفعول في حين يبقى من حق المتعاقد اللجوء إلى القضاء لفحص النزاع والتأكد من جدية التعديل المقترح ، وإعادة التوازن المالي للعقد لتعويض المتعاقد عن الأضرار التي تلحق بمركزه التعاقدي ، أو تلك التي تقلب الظروف المالية للعقد[25] .

ومن المنازعات التي قد تنشأ كذلك نتيجة تصرفات الإدارة نجد إمكانية اتخاذها إجراءات من شأنها الإساءة إلى مركز المتعاقد معها ، وهو ما يسمى بنظرية فعل الأمير[26] وفي هذه الحالة فإن المقاول المتعاقد من حقه اللجوء إلى القضاء من أجل الحصول على تعويض يجبر الضرر اللاحق به نتيجة المساس بالتوازن المالي للعقد، وفي هذا الإطار اتجهت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء  إلى أن : قيام السلطة المحلية بالزيادة في أسعار الرسوم والمكوس المفروضة على التجار و الحرفيين للدخول إلى السوق الأسبوعي خارج إطار العقد مع ما يترتب عن ذلك من مقاطعتهم للسوق وحصول أضرار للمكتري المتعاقد مع الإدارة يقتضي تعويضه تعويضا كاملا وفق نظرية الأمير[27] .

من المنازعات التي قد تنشأ أيضا أثناء تنفيذ العقد نجد المنازعة المتعلقة بالاتفاق على إنجاز المقاول لأشغال إضافية لم يتم الاتفاق عليها في العقد الأصلي للصفقة ، إلا أنه وما دام هناك عرض خاص بالموضوع فسنكتفي بالنزاعات السالفة الذكر، خاصة أمام صعوبة الإحاطة بكافة صور المنازعات  التي يمكن أن تعرض على القضاء .

 

المطلب الثالث : إخلال المتعاقد بالتزاماته

 

بعد المصادقة على الصفقة من طرف الجهة المختصة ، فإن دور الإدارة لا ينتهي عند هذا الحد ، وإنما يبقى من حق الإدارة التوجيه والمراقبة ، هذه التي تنصب بالأساس على كيفية تنفيذ المقاول لالتزاماته سواء من حيث الكم أو الكيف أو الأجل ، وبالإضافة إلى هذا الحق ، فإن لها الصلاحية أيضا لتوقيع الجزاءات كلما لم يحترم المتعاقد تعهداته .

فقد منح القانون للإدارة إمكانية اللجوء إلى فسخ الصفقة تلقائيا ، كلما تبث إخلال أو تماطل من جانب المتعاقد معها  ، لكن وحتى يتم توقيع هذه الجزاءات لابد من سلوك إجراءات معينة :

أولا : لابد للإدارة من إجراء معاينات للوقوف على الإخلالات المرتكبة من طرف المقاول ، وذلك بواسطة فنيين واختصاصيين في موضوع الصفقة ، وهو ما أكدته المحكمة الإدارية بالدار البيضاء حيث اعتبرت أن: اعتماد المدعى عليها على انتفاء محضر التسليم النهائي للأشغال قصد التملص من الأداء رغم وجود شهادة المهندس المنتدب من طرفها تفيد انتهاء الأشغال وفق المواصفات المعمول بها في ميدان المعمار يجعل الادعاء بعدم احترام التقنيات الواردة في سند الطلب غير صحيح [28]، وفي حكم آخر صادر عن نفس المحكمة ارتأت أنه: يتبين من وثائق الملف ان سير إنجاز الأشغال عرف تعثرا وإخلالات استلزمت إجراء معاينات من طرف الإدارة وتحرير محضر بخصوص كل الأطراف لرصد الإخلالات والمخالفات .

وتعتبر من قبيل الإخلالات بالتنفيذ توقف المقاولة عن أداء الأشغال الملزمة بها ، ولو بسبب عدم أداء الإدارة لمقابل الأشغال المنجزة ، وفي هذا الصدد اعتبرت المحكمة الإدارية بمراكش في إحدى أحكامها : أن المتعاقد مع الإدارة لا يسوغ له أن يمتنع عن الوفاء بالتزاماته حيال المرفق العام بحجة أن تم إجراءات إدارية قد أدت إلى إخلال الإدارة بالوفاء بأحد التزاماتها قبله ، ويتعين عليه –المقاول- أن يستمر في التنفيذ ثم يطالب الإدارة بالتعويض إن كان لذلك مقتضى [29].

وقد يحدث في بعض الأحيان ألا يقوم المقاول بأداء التزاماته نتيجة لقوة قاهرة ،وفي هده الحالة يجب على المقاول الذي يتضرع بحالة القوة القاهرة أن يوجه بمجرد ظهور مثل هذه الحالة وخلال أجل أقصاه سبعة أيام إلى صاحب المشروع تبليغا بواسطة رسالة مضمونة مع الإشعار تتضمن وصف العناصر المكونة للقوة القاهرة ن ونتائجها المحتملة على المشروع ، على أنه إذا استمرت حالة القوة القاهرة لمدة ستين يوما على الأقل ، أمكن لصاحب المشروع تلقائيا أو بطلب من المقاول فسخ الصفقة ، على أنه للمحكمة سلطة تقديرية واسعة في تحديد حالة القوة القاهرة ، وفي هذا الصدد اتجهت المحكمة الإدارية بمراكش ................................

إلا أن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى ألغت الحكم ونفت وجود القوة القاهرة معللة قرارها بما يلي : أن المقاول لم يتخذ التدابير اللازمة لضمان السلامة والنظافة الصحية خاصة ما يتعلق بتزويد الورش بفرق للتنظيف وصيانة شبكة المجاري.

وفي نفس الاتجاه صارت المحكمة الإدارية بالرباط حيث اعتبرت : أنه لا يعد من قبيل القوة القاهرة دفع المقاول بتوقف القوة الكهربائية الضرورية بالمنطقة لإنجاز المشروع موضوع العقد لأن المتعاقد يجب عليه قبل الإقدام على التعاقد مع الإدارة ، واحتلال ملكها ، القيام بجميع الدراسات اللازمة والتأكد من إمكانية تجسيد مشروعها على الصعيد الميداني [30].    

ثانيا: من الضمانات الأساسية التي منحها المشرع للمتعاقد:

* ضرورة توجيه إنذار إليه من قبل الإدارة صاحبة المشروع حتى بعد اكتشاف المخالفة ، وهو ما اعتبره القضاء الإداري إجراءا شكليا لا تعفى منه الإدارة إلا إذا وقع التنصيص على ذلك في عقد الصفقة ، إذ أن مهمة القاضي الإداري تتجلى بالأساس في مراقبة سلامة الإجراءات الشكلية ، وكذا الأسباب المعتمدة لاتخاذ الجزاءات ، وهو ما جسدته المحكمة الإدارية بوجدة في حكمها الآتي : .... وكلما قامت الإدارة صاحبة المشروع بسلوك هذه الإجراءات فإن لها الخيار إما القيام مباشرة بفسخ العقد ووضع حد للعلاقة ومصادرة الكفالة ، وهنا يبقى من حق المتعاقد اللجوء إلى القضاء الإداري لمراقبة سلامة الإجراءات المتخذة من طرف الإدارة و المطالبة بالتعويض [31].

* الإنبات :وبما أن المقاول لا يعتبر مخلا بالتزاماتهإلا إذا تبت هذا الإخلال فقد ذهبت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى إلى : الاستناد إلى تقرير لجنة المراقبة الذي يعتبر من صنع الإدارة لا يشكل دليلا كافيا على  إخلال المقاول بالتزاماته إزاء الإدارة [32]. وفي نفس الصدد ذهبت المحكمة الإدارية بالرباط إلى : أن الادعاء  بكون الجهة المدعى عليها لم تنفذ التزاماتها التعاقدية ، وعدم إرفاق الطلب بأي إجراء لإثبات هذا الادعاء يستتبعه رفض الطلب بسبب افتقاده لعنصر الإثبات [33].      

  كانت هذه بعض صور المنازعات التي يمكن أن تنشأ أثناء تنفيذ العقد ، والتي يكون المتسبب فيها إما الإدارة أو المقاول ، ويبقى التساؤل عن صور المنازعات التي يمكن أن تنشأ عن انتهاء عقد الصفقة .

 

المبحث الثاني:المنازعات المتعلقة بإنهاء الصفقة

 

إن عقد الصفقة العمومية ينتهي بصفة طبيعية بمجرد انتهاء الأشغال وأداء الإدارة المتعاقدة المقابل النقدي [34] ، الذي تم الاتفاق عليه بين الطرفين بعد أن تقوم الإدارة المعنية بإنجاز محضر تسليم الإشغال ، إلا أنه في بعض الحالات قد تتعنت الإدارة بحجة أو بأخرى عن أداء المقابل النقدي ، فما هو الاتجاه الذي سار عليه القضاء في هذه الحالة ( المطلب الثاني ) خاصة أن الإدارة قد تحتج بعدم احترام شروط التعاقد ، ويتعلق الأمر بمصادقة الإدارة المختصة على الصفقة حتى يتمكن المقاول من بدأ الأشغال ( المطلب الثالث )

 
المطلب الأول : شروط البدء والانتهاء من التنفيذ

 

إن الصفقة العمومية لا تعتبر قائمة إلا بعد المصادقة عليها من طرف الجهة المختصة ، وكثيرة هي النزاعات التي تنشأ نتيجة تخلف هذا الشرط أو عدم توصل المقاول بقرار المصادقة أو غيرها من الحالات ، فماذا نعني بالمصادقة ؟

إن مصادقة الجهة المختصة على الصفقة العمومية على الصفقة العمومية هي بمثابة قبول الإدارة المعنية على تنفيذ العقد وفق الشروط المتفق عليها في دفتر الشروط الخاصة ، وجدير بالذكر أنه بعد المصادقة على الصفقة ، فإن المقاول لا يمكنه الشروع في الأشغال المتفق عليها إلا بناء على أمر بالخدمة يصدره صاحب المشروع والذي يجب تسليمه داخل أجل أقصاه 60 يوما الموالية لتاريخ تبليغ المصادقة على الصفقة ، على انه يمكن أن يكون نفس الأمر بالخدمة الذي يبلغ المصادقة على الصفقة يأمر كذلك بالشروع في تنفيذ الأشغال ، وفي هذه الحالة يجب أن ينصرم أجل خمسة عشر يوما ما بين تاريخ تبليغ الأمر والبداية الفعلية للأجل التعاقدي للتنفيذ ما لم ينص على خلاف ذلك في دفتر الشروط الخاصة .

وتفاديا لأي نزاع بشأن البدأ في الأشغال فإن المادة 9 من مرسوم 4 ماي 2004 اشترطت أن يكون الأمر بالخدمة كتابيا وموقعا من طرف صاحب المشروع كما يجب أن يكون مؤرخا و مرقما ومسجلا ، وفي حالة ما إذا رأى المقاول أن الشروط الواردة في الأمر بالخدمة تفوق التزاماته عليه تحت طالة سقوط الحق أن يوافي صاحب المشروع في شأنها بملاحظاته المكتوبة ومعللة داخل أجل 10 أيام من تاريخ تبليغ الآمر بالخدمة ، إلا إذا أمر صاحب المشروع بخلاف ذلك [35]، وهذا الامتياز ينبع أساسا من طبيعة المرفق الذي يعهد إلى الإدارة الحفاظ عليه ، ولنفس الغرض فإنه من الشروط الأساسية للدخول في الصفقة العمومية ضرورة تكوين الضمان المنصوص عليه في المادة 12 من مرسوم 4 ماي 2004 السالف الذكر ، وهنا يجب التمييز بين الضمان المؤقت الذي يجب تقديمه من قبل أي متعاقد وبين الضمان النهائي الذي يقدم من قبل نائل الصفقة والذي يعتبر بمثابة رصيد لتامين الالتزامات التعاقدية للمقاول إلى حين التسليم النهائي للأشغال [36]، إلا أنه قد يتم الاتفاق في دفتر الشروط الخاصة على استحقاق المقاول لجزء من الضمانة في حالة التسليم المؤقت لجزء أو عدة أجزاء من المنشأة المراد إنجازها ن كما يمكن لصاحب المشروع في حالة الاتفاق إرجاع جزء من الضمان النهائي في حدود النسبة المقررة لهذا الغرض في دفتر الشروط الخاصة ، والتي تطابق حصة الأشغال المنجزة والمسلمة ، على أنه يمكن إعفاء المتنافسين وأصحاب الصفقات من تكوين الضمانات ، وذلك طبقا للتشريع والتنظيم الجاري بهما العمل .

ولابد من الإشارة إلى أنه بعد تنفيذ المقاول لالتزاماته تنتهي الصفقة بالتسليم ، وهنا ينبغي التمييز بين التسليم المؤقت والتسليم النهائي ، فقبل التسليم المؤقت للأشغال المنجزة من طرف المقاول لا بد من التأكد من المنشآت المنفذة القيام بالمعاينات [37]، ليتم بعد ذلك إعداد محضر من قبل صاحب المشروع يوقعه المقاول وفي حالة رفضه يشار إلى ذلك في المحضر .

وجدير بالذكر ان التسليم لا يكون نهائيا إلا بعد مرور سنة من تاريخ محضر التسليم المؤقت ، وخلال هذه الفترة يخضع المقاول لالتزام الضمان المنصوص عليه في المادة 67 من مرسوم 4 ماي 2004 ، على أنه يجب على صاحب المشروع في حال اكتشافه أي عيوب أو شوائب ان يوجه إلى المقاول بعد 10 أيام من تاريخ التسليم المؤقت على أبعد تقدير قوائم مفصلة عن هذه الشوائب باستثناء تلك الناجمة عن الاستعمال أو الأضرار الناتجة عن فعل الغير أو إسراف في الاستعمال ، ويضرب للمقاول أجل شهرين لإصلاحها وفق الشروط المضمنة في الصفقة ، وبعد التحقق من أن الأشغال قد أنجزت بدقة وبعد انصرام اجل شهرين يسلم صاحب المشروع للمقاول محضرا عن التسليم النهائي للأشغال ، أما إذا لم يقم المقاول بإصلاح الشوائب أو العيوب داخل الأجل المحدد ، أمكن لصاحب المشروع الإعلان عن التسلم النهائي مع إسناد الأشغال التي لم يقم المقاول بتنفيذها إلى أي مقاولة من اختياره (صاحب المشروع) على نفقة المقاول .

وبتنفيذ الالتزامات من طرف المتعاقد والإعلان عن التسليم النهائي ، تنتهي الصفقة ، إلا أنه قد تنشأ أثناء انتهاء الصفقة مجموعة من النزاعات فماذا عن طبيعة ونوع هذه النزاعات ؟

 

المطلب الثاني : تعنت الإدارة في أداء مقابل الصفقة

 

إن أداء مقابل الصفقة يجب أن يكون حسب الاتفاق ، إما بأداء دفعة مقدمة على أن يحصل المقاول على الباقي كلما تقدم في المشروع ، أو أن يتم الاتفاق على استحقاق المقاول لمقابل الصفقة بعد إنجاز المقاول للأشغال المتفق عليها ، إلا أنه في هذه الحالة يحصل أن يقوم المقاول بتنفيذ التزاماته تم تمتنع الإدارة عن الوفاء بعلة أو بدونها ، ففي هذه الحالة يجد المقاول نفسه مضطرا للجوء إلى القضاء ، خاصة إذا لم تجد الطرق الحبية نفعا ، وفي هذا الصدد اعتبرت المحكمة الإدارية بالرباط :[38] *أن عدم إدلاء الجماعة المدعى عليها بما يثبت أداءها للدين العالق بذمتها بموجب عقد الصفقة أو بإدلائها بما يفيد سحبها لهذا العقد أو إلغائها له يجعل مبلغ الدين المذكور المطالب به تابتا ويتعين أداءه لفائدة المدعية *، وفي نفس الاتجاه سارت نفس المحكمة حيث قضت بأن : * إنجاز صفقة عمومية لفائدة إدارة عمومية ، وإنجاز محضر التسليم دون تحفظ يجعل مقابل الصفقة مستحق الأداء لفائدة المقاولة *[39]

وبالإضافة إلى حق المقاول في اللجوء إلى القضاء للمطالبة بمقابل الصفقة ، فإن من حقه كذلك المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحقه جراء تماطل الإدارة عن أداء هذا المقابل ، وهو ما كرسته المحكمة الإدارية بالرباط عندما اعتبرت : * لا يمكن للمقاولة المتعاقدة مع الإدارة أن تتحمل وزر الإجراءات الشكلية الإدارية المعقدة من أجل الحصول على مستحقاتها المالية ، مما يبرر الحكم لفائدتها التعويض عن الضرر الذي لحقها من جراء التأخير في الأداء *[40]

ومن المنازعات التي قد تثار كذلك عند انتهاء الصفقة ، تلك المتعلقة بأداء الإدارة المتعاقدة لقيمة الأشغال الإضافية أو التغييرات التي قد تطرأ على العقد بما في ذلك من إثبات الاتفاق على هذه الأشغال ، إلا أنه نظرا لكون العرض القادم سيتطرق لهذه المنازعات فإننا سنقتصر على حكم واحد صادر عن إدارية مراكش اعتبرت فيه أن [41]: * من حق المدعية بعد إنجاز الأشغال المطلوبة ( الأشغال الإضافية ) المطالبة بمستحقاتها التي تبقى دينا بذمة البلدية المتعاقدة ، وتستحق تعويضا عن التماطل بعد ثبوت إنذارها للبلدية ومطالبتها بأداء مستحقاتها عن طريق البريد المضمون*

 

المطلب الثالث : احتجاج الإدارة بعدم احترام شكليات التعاقد

 

إن قيام الرابطة العقدية بالنسبة للنفقات العمومية يقتضي المرور بعدة مراحل بدءا من إجراء المناقصة –أو الطريقة المعتمدة لإبرام الصفقة – إلى ضرورة احترام الشروط التي يفرضها القانون لتوفير السلامة الذاتية للصفقة ، ومن بين هذه الشروط  توفر المصادقة المطلوبة قانونا لقيام العقد ، ولهذا الشرط مجموعة من الإشكالات على الصعيد العملي فقد يحدث أن يقوم المقاول بالأشغال المتفق عليها ، لتمتنع الإدارة المستفيدة من هذه الأشغال من أداء مقابل الصفقة بحجة عدم مصادقتها على العقد ، هذه المصادقة التي تعتبر شرطا ضروريا ليبدأ المقاول بتنفيذ الأشغال ، كما قد يحدث أن يصادق على الصفقة موظف غير مختص ، كل هذا يجعلنا نتساءل عن موقف القضاء المغربي وكذا المقارن من هذه الإشكالات ؟

بالرجوع إلى الاجتهاد القضائي المغربي نجد أن القضاء الإداري يذهب إلى أنه يمكن للمقاول متى بدأ في تنفيذ العقد وصرف مبالغ مالية أفقرت ذمته المالية ، تم امتنعت الإدارة من أداء المقابل النقدي للصفقة بحجة عدم المصادقة على الصفقة ، فإنه يمكن للمقاول في هذه الحالة اللجوء إلى القضاء من أجل مطالبة الإدارة المعنية بالتعويض على أساس نظرية الإثراء بلا سبب المعمول بها قانون الالتزامات والعقود ، إلا أنه بشرط حتى يستحق المقاول هذا التعويض أن تنتج عن الأشغال التي قام بها  فائدة للإدارة .

كما أن المقاول له الحق في حالة إنجازه لأشغال خارجة عن نطاق الصفقة الأصلية ، وهو ما يسمى بالأشغال الإضافية للصفقة ، فإن المقاول له الحق في التعويض على أساس نظرية الثراء بلا سبب إلا أنه نظرا ، إلا أنه ما دام كما قلت أعلاه أن هناك عرضا خاصا بالموضوع فلن نخوض في الإشكالات التي يطرحها الموضوع .  

 

 



[1] - محمد البخاري : " منازعات العقد الإداري في نطاق القضاء الشامل " ، مجلة الملحق القضائي ،عدد 35 ، أكتوبر ،2002، ص: 107 .

[2]  - وفي هذا الصدد اتجهت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في قرار عدد 1491 بتاريخ 26/10/2000 ، حيث اعتبرت أن " عقد التامين الرابط بين الطرفين لا يكتسي صبغة العقد الإداري مما تكون معه النزاعات الناشئة في تطبيقه خاضعة لاختصاص المحاكم العادية في غياب وجود عقد إداري يرجع البت في تنفيذه للمحكمة الإدارية" غير منشور

[3] - انظر قرار الغرفة الإداري بالمجلس الأعلى عدد 1423 بتاريخ 09/10/1997 ،ملف إداري عدد 1238/5/1/97         منشوربمجلة قضاء المجلس الأعلى العدد 53-54 .

 4-منشور بالجريدة الرسمية عدد4654 بتاريخ07/01/1999.

 

 

[5] - منشور بالجريدة الرسمية عدد 48000 بتاريخ 01/06/2000 ص: 1280

[6] - محمد النجاري : " منازعات العقد الإداري في نطاق القضاء الشامل " مجلة الملحق القضائي ، العدد 135 ، سنة 2002 ، ص: 119

[7] -عبد الله حداد :" صفقات الأشغال العمومية ودورها في التنمية " منشورات عكاظ ، شتنبر 2002 ، ص:215

[8] - محمد النجاري : : " منازعات العقد الإداري في نطاق القضاء الشامل " مرجع سابق ن ص : ......

[9] -المادة 206 من القانون المدني الفرنسي

[10] - حمدي ياسين عكاشة : " العقود الإدارية في التطبيق العملي".......................ص: 176

[11]- القرارات المنفصلة : هي القرارات التي تستهدف التمهيد لإبرام العقد أو السماح بإبرامه أو الحيلولة دون إبرامه ، كما أن القرارات الممهدة لعقد الصفقة تعتبر قرارات منفصلة عن العملية التعاقدية و قابلة للطعن عن طريق دعوى الإلغاء .

انظر بشأن هذا التعريف حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء رقم 98 المؤرخ في 21/02/2001 ، منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 86 ، ص : 203

[12]- تنص المادة 8 من القانون رقم 41-90 : على أنه تختص المحاكم الإدارية مع مراعات أحكام المادتين 9 و11 من هذا القانون بالبت ابتدائيا في:

     -............................................

     - النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية

 

[13]- محمد الأعرج : " الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية في منازعات العقود الإدارية " مقال منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، العدد 47 ، سنة 2004 ، ص : 77

[14] - حكم المحكمة الإدارية بالرباط ، رقم 223 بتاريخ18/07/98، ملف رقم 231/95 غ حكم غير منشور .

[15] - حكم رقم 250 مؤرخ في 02/03/98 ، ملف رقم 1170/97 غ غير منشور .

حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 258 ، مؤرخ في 05/03/98 ملف رقم 1264/97 غ غير منشور

[16]- أمر استعجالي رقم 4 صادر عن المحكمة بمراكش ، منشور بمجلة المحامي ، العدد 25

[17]- أمر استعجالي عدد 937 ، صادر عن المحكمة الإدارية بتاريخ 10/11/1999 ، قضية وزير التجهيز ضد شركة بالم دين ، منشور في : " الدليل العملي للاجتهاد القضائي في المادة الإدارية " منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية العدد 16 سنة 2004 الجزء الثاني ص : 365

- انظر كذلك الأمر لاستعجالي عدد 44 ، مؤرخ في 13/02/2004 صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط منشور بالمرجع السابق ، ص :375

[18]- قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى عدد : 662 بتاريخ 18/06/1998 ، قضية زريكم ضد الجماعة المحلية للسعيدات ، قرار أورده محمد صقلي حسيني في مرافعته بعنوان المنازعات العقدية على ضوء الاجتهاد القضائي الإداري منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، العدد 43 سنة 2004،ص: 63

[19]- - قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى عدد 707 بتاريخ 1998 /07/16 أشير له في مداخلة : محمد الصقلي الحسيني :المنازعات العقدية على ضوء الاجتهادي القضائي الإداري ، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، مرجع سابق ،ص : 64

[20] - محاضرات ألقاها الأستاذ أحمد الصايغ يوم 05/03/2005 على طلبة وحدة المهن القضائية والقانونية ، الفوج الأول 2004-2005 كلية الحقوق السويسي الرباط .

انظر الأساس النثمثل في البند الأول من المادة السابعة من مرسوم 04/05/2000 المتعلق بالمصادقة على دفتر الشروط الإدارية العامة المطبقة على صفقات الأشغال المنجزة لحساب الدولة الذي ينص على انه : يمكن عند الاقتضاء أن يحدد دفتر الشروط الخاصة في إطار الأجل المشار إليه في المقطع السابق ، آجال جزئية لإنهاء بعض المنشئات أو أجزاء منها والتي ينص دفتر الشروط الخاصة على تسلم مؤقت لها .

 

 

[21]- البند الثالث والرابع من مرسوم 04 ماي 2004 المشار غليه أعلاه

[22] - فسلطة الإدارة في تعديل العقد مستمدة ليس من نصوص العقد وإنما من طبيعة المرفق ،واتصال العقد به ، وضرورة الحرص على تحقيق المصلحة العامة .

[23] -حكم عدد 52-2000 صادر بتاريخ 17/02/2000 مقاولة البناء عتيق ابراهيم ضد الغرفة التجارة والصناعية لأكادير منشور بالدليل العملي للاجتهاد القضائي في المادة الإدارية ، الجزء الثاني ،م س ، هامش ،ص: 408 إلى 410

[24] - المادة 52 من كناش التحملات الإدارية العامة .

[25]-محمد الأعرج : "الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية في منازعات العقود الإدارية " م س ، ص : 80 و 81

[26] - عمل الأمير هو كل عمل يصدر من سلطة عامة دون خطأ من جانبها ينجم عنه الإساءة لمركز المتعاقد في عقد إداري ، ويؤدي إلى التزام جهة الإدارة بتعويض المتعاقد المضرور عن كافة الأضرار التي تلحقه من جراء ذلك مما يعيد التوازن المالي للعقد .

[27] - حكم عدد 426 صادر بتاريخ 28/04/2003 منشور بالدليل العملي للاجتهاد القضائي ، العدد 16 الجزء الثاني ، م س ، ص: 442

[28] -  حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء عدد 109 بتاريخ 02/05/ ،2002 منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، عدد 89 ، ص : 204 .

[29] - حكم المحكمة الإدارية بمراكش عدد 89 بتاريخ 16/04/2003 .

[30] - حكم رقم 1014/96 بتاريخ 14-11-96 غير منشور .

[31] - حكم صادر عن المحكمة الإدارية بوجدة في الملف عدد 37/98 مؤرخ في 02/12/98 .

[32] - حكم عدد 834 مؤرخ في 20/06/2002 الوكيل القضائي للمملكة ضد شركة بالم دين منشور بالاجتهاد القضائي في المادة الإدارية ، م س ، ص : 400 .

[33] - قرار عدد 7 مؤرخ في 04/01/2001 شركة s.o.s للتنظيف ضد المجموعة الحضرية بالدار البيضاء ، منشور بالمرجع السابق ، ص: 406 .

[34] - المقابل النقدي هو أول التزام الإدارة ، باعتبار أن هدف المتعاقد مع الإدارة  بعد تنفيذ الأشغال المتفق عليها هو الحصول على المقابل النقدي .

[35] -المادة 9 من مرسوم 4 ماي 2000 .

[36] - يجب تكوين الضمان المالي خلال الثلاتين يوما التي تلي المصادقة على الصفقة  : الفقرة الثانية من البند الثاني من المادة 12 من مرسوم 4 ماي 2000 .

[37] - ينص البند الثاني من المادة 65 من مرسوم 4 ماي 2000 أنه : تشمل العمليات السابقة للتسلم على ما يلي :

                أ – التعرف على المنشأة المنفذة

                ب – القيام عند الاقتضاء بالتجارب المنصوص عليها في دفتر الشروط المشتركة أو في دفتر الشروط الخاصة .

               

[38] -   حكم رقم 215 بتاريخ 08/02/2000 ملف رقم 403/99 ت غير منشور.

 

[39] -.  حكم رقم 556 بتاريخ 16/05/2000 ملف رقم 1048/99 ت غ منشور .

[40] - حكم عدد 790 بتاريخ 30/09/1999

[41] - حكم عدد 4 بتاريخ 28/01/1999 ملف رقم 66-96 ت غير منشور .

(1) تعليقات

تطور القضاء الاجتماعي بالمغرب

إعداد الطلبة:
     مساوي رشيدة
                 رجاء لكريم
                        موالدة عبد الواحد
تطور القضاء الاجتماعي بالمغرب
  يعتبر القضاء وظيفة من وظائف الدولة، و الأسلوب المتحضر لحل الخلافات والمنازعات الناشئة عن تضارب المصالح، وقد عملت كل الدول على الاهتمام بمرفق القضاء و تنظيمه بشكل يتلاءم و خصوصياتها و كذا بنوع القضايا والمشاكل التي تحتاج إلى تدخل هذه المؤسسة لإعادة الأمن والطمأنينة بين أفراد المجتمع، وإذا كانت هذه الأهداف من أهم الخصائص التي يتميز بها القضاء بصفة عامة فإن القضاء الاجتماعي يتميز بكونه ينضم العلاقة بين طرفين لكل واحد منها مكانته ودوره داخل المنظومة الاجتماعية، فمن الناحية النظرية تظهر أهمية القضاء الاجتماعي لكونه يستأثر بالنظر في مجموعة من القضايا الخاصة التي قد يتعذر على القضاء المدني النظر فيها لكونه يحتاج إلى أناس متخصصين في مثل هذه القضايا، كما أن القضاء الاجتماعي من شأنه أن يلعب دورا مهما في تحقيق السلم الاجتماعي ومن تم المساهمة في بلوغ التنمية الاجتماعية والاقتصادية للدولة.

  أما من الناحية الواقعية فتظهر أهمية القضاء الاجتماعي في كونه الوسيلة المثلى لإعادة التوازن بين طرفي العلاقة التعاقدية، وحمايتها من جميع أشكال التعسف سواء تعلق الأمر بالأجير أو المشغل .

  وقد عرف القضاء الاجتماعي المغربي عدة مراحل أملتها مجموع الظروف السياسية التي مر منها المغرب منذ مرحلة ما قبل الحماية، ثم الحماية، فالاستعمار وانتهاءا بالاستقلال تم الرغبة في استقلال حقيقي على مستوى التنظيم القضائي الاجتماعي، وهكذا تميز القضاء الاجتماعي بالاستقلال والخصوصية على مستوى الهرم القضائي إلى غاية إصلاح 1974 الذي نزع عنه هذا التميز، بل وعمد إلى تقزيمه إلى مجرد غرفة بالمحكمة الابتدائية.

فما دام تحقيق العدالة الاجتماعية هو أهم أهداف القضاء الاجتماعي ، نتساءل عن أهم السبل لتطوير هذا القضاء بعد مجموع المراحل التي مر بها؟

للإجابة عن هذه الإشكالية ارتأينا تقسيم الموضوع إلى مبحثين:

 نخصص المبحث الأول: للحديث عن المحطات التاريخية للقضاء الاجتماعي المغربي .

على أن نخصص المبحث الثاني لرصد: منطلقات لتطوير القضاء الاجتماعي المغربي. 

     

 

 

 

 

المبحث الأول : المحطات التاريخية للقضاء الاجتماعي

 

  مر القضاء الاجتماعي المغربي بمجموعة من المراحل، اختلفت خصائصها، ورغم هذا الاختلاف فيمكن التمييز بين مرحلتين أساسيتين، مرحلة ما قبل الإصلاح القضائي لسنة 1974 ، والمرحلة اللاحقة لهذا الإصلاح .

 

المطلب الأول: تطور القضاء الاجتماعي إلى غاية إصلاح 1974.

 

  عرف القضاء الاجتماعي خلال هذه المرحلة مجموعة من المحطات، تميزت جلها بغلبة الطابع الأجنبي ، إلا أنه ورغم اختلاف هذه المراحل، فيمكن التمييز بين مرحلتين أساسيتين ، مرحلة الحماية ( الفقرة الأولى ) ثم مرحلة الاستقلال ( الفقرة الثانية ).

 

الفقرة الأولى: مرحلة الحماية

 

طبع القضاء الاجتماعي خلال هذه الفترة بخاصية أساسية ، تتجلى بالأساس في ازدواجية التشريع الاجتماعي ، حيث كان مزيج بين قواعد الفقه الإسلامي والعرف من جهة والتشريع الوضعي من جهة أخرى .

أولا : تطبيق الفقه الإسلامي والعرف

قبل دخول المستعمر وفرض الحماية على المغرب، كان عقد الإجارة هو الذي يحكم العلاقة بين المؤاجر والأجير ، إلا أنه وبظهور نظام الطوائف في أوربا وانتقاله إلى المغرب ، أصبح هذا النظام المعتمد، إطارا لتنظيم مختلف الحرف( طوائف حرفية)[1] ،وقد عرفت هذه الطوائف ترتيبا تسلسليا، في أعلى القمة أمين الحرفة الذي يتولى حل النزاعات التي قد تحصل داخل كل طائفة بطريقة ودية، وفي حالة تعذر حل النزاع بالطرق الحبية يمكن للأمين عرض النزاع على المحتسب[2] مع إدلائه بآرائه لحل النزاع، ولابد من الإشارة أن هذا النظام نشأ بالأساس للدفاع عن مصالح الحرفيين ، وذلك بجعل النزاع محصورا داخل الطائفة وعدم تدخل العنصر الأجنبي لحل النزاعات التي تنشأ بين العاملين في نفس الحرفة، وفي إطار الأعراف المطبقة خلال هذه المرحلة، فقد تم ترسيخ مجموعة من الأعراف التي مازال معمولا بها في مختلف البوادي إلى وقتنا هذا، كنظام الرباعة ونظام الخماسة[3] .

فالمغرب ظل إذن يطبق قواعد الفقه الإسلامي والأعراف المهنية إلى غاية دخول المستعمر وفرض الحماية، فما هي وضعية ومميزات قضائنا الاجتماعي خلال هذه المرحلة ؟

ثانيا : التشريع الوضعي

تنفيذا لعقد الحماية جاء ظهير 1913 لإحداث ما يسمى آنذاك بالمحاكم الفرنسية، هذه الأخيرة تضم مجموعة من الهياكل القضائية التي يطغى عليها الطابع الأجنبي المحض، فالمحاكم الفرنسية كانت تتكون من محاكم الصلح والمحاكم الابتدائية، أما بالنسبة لاستئناف الأحكام فكان أمام محكمة استئناف وحيدة بالرباط[4]،  فهذا التنظيم القضائي حاول تحقيق عدالة اجتماعية بن طرفي العلاقة الشغلية ، بل وحماية الطرف الضعيف ، وفي هذا الصدد رفضت المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء فسخ عقد شغل لحصول نقص في الأرباح يعزو سببه إلى العامل المفسوخ عقده [5]، وفي نفس التوجه قضت محكمة الاستئناف بالرباط بما يلي :

Constitue un contra de louage de service le contra au termes …….. un individu s’engage a entretenir un jardin , moyennant une rémunération, mensuelle et divers avantages , notamment la fourniture d’un logement.[6]

إلا أنه ورغم المبادرات التي اتخذها المستعمر في هذا المجال، يظل ظهير 16/12/1929 المحدثة بموجبه مجالس الخبراء اللبنة الأولى لإحداث قضاء اجتماعي عصري، فهذه المؤسسة اقتبست من التشريع الفرنسي - حيث كان نابليون أول من بادر إلى إحداث هذه الهيئات بمدينة ليون سنة 1806 ، ومجالس الخبراء هو الاسم المستعمل في فرنسا لتسمية محاكم الشغل - لكن اختصاصها كان يستند على معيار الجنسية على غرار المحاكم العصرية [7]مما حرم المغاربة من امتيازاتها .

فمجلس الخبراء أول هيئة قضائية متخصصة في المادة الاجتماعية، وقد أنيط له حل الخلافات الناشئة بمناسبة عقود الشغل الفردية ، ولأهمية هذه المرحلة في مسار القضاء الاجتماعي المغربي، لابد من إلقاء نظرة عن تأليف وتنظيم هذه المجالس، وكذا الاختصاصات التي أسندت لها .       

 

1)   تأليف وتنظيم مجالس الخبراء

إن الظهير المحدثة بموجبه المجالس الخبراء قد أخد بعين الاعتبار مصلحة كل من طرفي النزاع، فبالإضافة إلى قاضي الصلح باعتباره طرفا محايد، فإن الهيأة القضائية التي يتشكل منها مجلس الخبراء تضم عضوين يمثلان المؤاجرين و آخرين يمثلان الأجراء، 6، وجدير بالذكر أن عضوية كل من ممثلي المؤاجرين أو الأجراء تتم عبر الانتخاب7 ، على أن المجلس الخبراء لا يتم إحداثه إلا بمقتضى ظهير، وبعد أخد رأي الغرق التجارية و المجالس البلدية، وتبعا للقضايا المعروضة على هذا المجلس يمكن تقسيمه إلى مجموعة من الأقسام.

2)   اختصاصات مجالس الخبراء:

يختص مجلس الخبراء بالبت في نزاعات الشغل الفردية في قطاعي التجارة و الصناعة، فعلاقة التبعية باعتبارها مناط عقد الشغل هي أساس الاختصاص النوعي لهذه المجالس، وهو ما يفسر عدم اختصاصها بالبت في النزاعات الفردية الناشئة بمناسبة عقود الشغل في الميدان الفلاحة والمهن ، ولقيام مجالس الخبراء بالمهمة الموكولة لها فقد أكد الفصل الأول من الظهير السالف الذكر على ضرورة إجراء محاولة للصلح والتوفيق بين المؤاجر والأجير .

وللإشارة فالطابع الأجنبي ظل حاضر في اختصاصات مجالس الخبراء فالأشخاص الذين بإمكانهم التقاضي أمام هذه الهيئات هم الأجانب أما الأهالي فيتقاضون أمام المحاكم المخزنية، باستثناء إذا تعلق الأمر بنزاع أحد طرفيه أجنبي فان الاختصاص آنذاك ينعقد لمجلس الخبراء .

فيما يتعلق بالاختصاص القيمي فمجالس الخبراء قد اختصت ابتدائيا في حدود 1000 فرنك، وابتدائيا مع حفظ حق الاستئناف إذا فاقت قيمة الطلب هذا المبلغ.

إن مجالس الخبراء لم تكن منتشرة في مجموع ربوع المملكة بل ظلت مرتبطة بالمراكز الاقتصادية، وفي منطقة طنجة الدولية، وفي مناطق النفوذ الإسباني ( المناطق الشمالية) ، إلا أنه وكما سبقت الإشارة إلى ذلك فمجالس الخبراء ظل يخيم عليها الطابع الأجنبي سواء في ما يتعلق بالقواعد المطبقة أمامها أو في نوعية الأشخاص المخول لهم التقاضي أمام هذه المؤسسات، وكدا فيما يتعلق بالاختصاصات .

 

 

 

 

 

الفقرة الثانية : القضاء الاجتماعي في عهد الاستقلال

مند سنة 1957 والى غاية الإصلاح القضائي لسنة 1974 وعبر أكثر من تجربة حاول المشرع المغربي إقامة قضاء وطني في المادة الاجتماعية قادر على تجسيد بعض المبادىء الأساسية في التقاضي، نذكر منها تقريب القضاء الاجتماعي من المتقاضين وسرعة النظر في القضايا وفعالية القضاء وغيرها، ولتحقيق هذه الأهداف عمد المشرع المغربي إلى تأسيس محاكم الشغل لكن هذه الخطوة لم تكن سوى تمهيد لمرحلة قضائية أكثر أهمية، والتي يمكن اعتبارها ذروة تطور القضاء الاجتماعي بالمغرب، ويتعلق الأمر بإحداث محاكم اجتماعية متخصصة.

أولا: إحداث محاكم الشغل

ثم بمقتضى الظهير الصادر في 29 أبريل  1957، تأسيس محاكم الشغل بدلا من مجالس الخبراء، وهذه المحاكم بالإضافة إلى طابعها الاستثنائي، فقد تميزت بكون اختصاصها يشمل من جهة جميع أطراف العلاقة الشغلية بصرف النظر عنجنسيتهم، ومن جهة ثانية فان نفوذها يشمل جميع تراب المملكة، فبمقتضى الظهير السالف الذكر أحدثت اثني عشرة محكمة شغل شمل نفوذها نفس دائرة نفوذ المحاكم الإقليمية، وللإلمام أكثر بهذه التجربة لابد من التطرق ولو بشكل موجز إلى تأليف وتنظيم هذه المؤسسات القضائية،  وكذا إلى اختصاصاتها  .

1)               التأليف والتنظيم:

تتألف محكمة الشغل من قيدوم قضاة الصلح، وفي حالة عدم وجوده ، من حاكم مفوض، وفي حالة عدم وجودهما معا، من مسدد، كما يمكن تعيين خليفة للرئيس، وذلك بمقتضى قرار لوزير العدل، هذا عن الرئاسة، أما باقي الأعضاء فتتشكل الهيئة من فريقين متساوي العدد واحد يمثل الأجراء والآخر يمثل المؤاجرين، وتبعا للقضايا المعروضة على هذه  الهيئة فهذه الأخيرة تضم ثلاثة فروع:

ü               الأول يتعلق بالتجارة والمهن الحرة.

ü               والثاني مخصص للمهن الصناعية.

ü               والثالث مختص في المهن الفلاحية.

وجدير بالذكر أن كل الفرع يتشكل من مكتبين:  مكتب الصلح ومكتب الحكم .

 

2)               الاختصاصات:

محاكم الشغل ألغت عائق الجنسية للمتقاضين، واختصت في جميع الميادين الاقتصادية بما في ذلك النزاعات الفردية الناشئة عن عقود الشغل في الصناعة والتجارة والمهن الحرة والعلاقة بين المؤاجرين من جهة و العمال المستخدمين الذين يعملون لديهم من جهة أخرى، وفي هذا الصدد اتجهت محكمة الصلح بالدار البيضاء في حكم بتاريخ 31 دجنبر 1958 إلى أنه: يعتبر فصلا تعسفيا إذا فصل الأجير نتيجة تغيبه في يوم عيد يحرم عليه دينه الاشتغال فيه . كما تختص محاكمالشغل كذلك في النزاعات التي تنشأ بين الأجراء أنفسهم  بسبب عقود الشغل، إلا أنه يستثنى من اختصاص محاكم الشغل:

ü               نزاعات الشغل الجماعية

ü               النزاعات المتعلقة بمؤجري الدولة والجماعات العمومية

ü               دعاوى المطالبة بالتعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية والتعويضات المتعلقة بشأن تطبيق الضمان الاجتماعي مند سنة 1959 . 13

 

وهذا الاستثناء الأخير مرده أن ظهير دجنبر1959 المنشىء لنظام الضمان الاجتماعي قد نص علي إحداث لجان لحل المنازعات وكذا لجان ابتدائية واستئنافية مختصة للبت في النزاعات التي تترتب عن تطبيق ذلك النظام، لكن هذه اللجان لم تتكون في الواقع، أما بخصوص الأحكام الصادرة عن محاكم الشغل فهي تصدر نهائيا كلما كان المبلغ المطلوب أقل من 20.000 فرنك، وكلما زادت قيمة الطلب عن هذا المبلغ فهي قابلة للنقض بالاستئناف أمام المحاكم الإقليمية.

وهكذا فإن تجربة محاكم الشغل كمحاكم مغربية توجت بإحداث المجلس الأعلى بمقتضى ظهير 27/09/1957 كأعلى جهة قضائية مهمتها الأساسية توحيد القانون، إلا أنه ورغم المبادرة المحمودة التي قام بها المشرع المغربي إلا أن هذه المرحلة لم تخلو من سلبيات تتجلى بالأساس في تفرقة المشرع بين فروع المادة الوحيدة وخلقه ازدواجية لا مبرر لها ، وذلك حين جعل نزاعات الشغل الفردية من اختصاص محاكم الشغل في حين أسند باقي القضايا الاجتماعية- حوادث الشغل والأمراض المهنية- إلى المحاكم العصرية.

 

ثانيا: المحاكم الاجتماعية تكريس لقضاء اجتماعي

 

تفاديا للانتقإذات التي وجهت لمحاكم الشغل،  ورغبة من المشرع المغربي في خلق تخصص وتوحيد في المادة الاجتماعية، عمد إلى إنشاء محاكم اجتماعية بمقتضى الظهير المؤرخ في 27/07/1972 والتي استأنفت عملها الفعلي في يناير 1973 ، ورغم أن هذا النظام مستمد من التجربة البلجيكية إلا أنه أخد واع كان فقط ينبغي مغربته، فالقضاء الاجتماعي بلغ خلال هذه المرحلة ذروة التطور بفضل التخصص في المادة وتوحيد فروعها، ونظرا لأهمية هذه الفترة لابد من التطرق لهيكلة هذه المؤسسة القضائية، وأيضا إلقاء نظرة على حجم وطبيعة القضايا التي أنيطت بها.

 

 

1) هيكلة المحاكم الاجتماعية  

تتألف المحاكم الاجتماعية من هيأة قضائية ثلاثية يترأسها قاضي محترف، أما العضوية فقد حددها المشرع في عدد متساوي من المستشارين ، فريق من الأجراء والفريق الآخر من المؤاجرين ، ويتم تعيينهم بقرار لوزير الشغل باقتراح من المنظمات الأكثر تمثيلا، وتستمر عضويتهم مدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، أما بالنسبة لمهام كتابة الضبط فيمارسها أحد أعوان كتابة الضبط من جهاز كتابة ضبط المحاكم المغربية يعين بقرار لوزير العدل.

وينص الفصل الثالث من الظهير المحدث للمحاكم الاجتماعية على أن هذه الأخيرة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

ü    قسم التجارة والمهن الحرة

ü    قسم الصناعة العصرية

ü    قسم الفلاحة

 

2) اختصاص المحاكم الاجتماعية

المحاكم الاجتماعية لم ترث الاختصاصات التي كانت موكولة لمحاكم الشغل، بل أصبحت  تنظر في كل القضايا الاجتماعية سواء كانت تتعلق بعقود شغل أو بحوادث شغل و الأمراض المهنية أو بالضمان الاجتماعي[8] ، فتداركت النقص والانتقإذات التي عرفتها محاكم الشغل .

أما بخصوص الاختصاص المحلي ،فقد أحدثت حينها 35 محكمة اجتماعية على صعيد تراب المملكة ، حدد اختصاصها في دوائر نفوذ محاكم السدد.

وخلاصة القول أنه بإحداث المحاكم الاجتماعية عرف المغرب قضاءا اجتماعيا متخصص وحديث منسجم مع خصوصياته وكذا مع التقدم الحاصل في حقوق الإنسان بصفة عامة وحقوق العمال بشكل خاص، خاصة بعد انخراط المغرب وتوقيعه على مجموعة من الاتفاقيات الدولية الصادرة عن منظمة العمل الدولية ، إلا أن هذا النظام لم يعمر للأسف إلا بضع شهور إذ سرعان ما انتهى بالإصلاح القضائي لسنة 1974    

 

 

 

 



[1] - في إطار هذا النظام لا يمكن لأي شخص أن يتعاطى لحرفة، إلا إذا كان منخرطا في الطائفة، كما كان يوجد على رأس كل طائفة رئيس يمثل الحرفة ويسهر على تنفيذ التعليمات لتي تصدر عن مجلس الطائفة، للمزيد من التوسع انظر:

غالي عبد الكريم: ْ في القانون الاجتماعي ْ منشورات دار القلم، الرباط، طبعة 2001، ص: 20 .

[2] - وجدير بالدكر أن المشرع المغربي قد أعاد إحياء نظام الحسبة بمقتضى ظهير 21/06/1982 ، ومن اختصاصات المحتسب حسب الظهير سلطة التوفيق بين الحرفيين والتجار أو بينهم وبين مستخدميهم وكذا مساعدة أمين الحرفة.

[3] - غالي عبد الكريم ، مرجع سابق ، ص : 21 .

[4] - العلوي هاشم : ْ القضاء الاجتماعي بالمغرب ْ رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص ، منشورة ، طبعة 1985-1986 الجزء الثاني ، ص : 66 وما بعدها .

[5] - حكم المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء ، صادر بتاريخ 16 نونبر 1929، أشير له في مؤلف ، الفكاك أحمد محمد: ْ الفسخ بالإرادة المنفردة في عقد العمل الفردي ْ مكتبة الوحدة العربية الدار البيضاء، الطبعة الأولى ، 1966، ص: 118

[6] - قرار محكمة الاستئناف بالرباط صادر بتاريخ 13 أكتوبر 1926 أشير له في مؤلف محمد الفكاك المرجع السابق ، ص: 28

[7] - عبود موسى : ْ دروس في القانون الاجتماعي ْ طبعة  1985-1986 ، ص: 28 .

6         الحاج الكوري: "القانون الإجتماعي المغربي" دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع – الرباط 

                                                                         الطبعة الثانية 2001 ،ص :69.

7      الفصلين 6و8 من الظهير 16 دجنبر 1929 المحدثة بموجبه محلس الخبراء      

[8] -  ينص الفصل الأول من ظهير 27/07/1972 المحدث للمحاكم الاجتماعية على ما يلي :

تختص هذه  المحاكم نوعيا بالنظر في :

*النزاعات المتعلقة بعقود الشغل والتدريب المهني والخلافات الفردية التي لها علاقة بالشغل أو التدريب المهني إذا كان النظر في هذه النزاعات أو الخلافات لا يرجع إلى محكمة أخرى بحكم نوعها أو بحكم القانون .

* التعويض عن الأضرار الناتجة عن حوادث الشغل والأمراض المهنية طبقا للتشريع المعمول به .

*النزاعات التي تترتب عن تطبيق التشريع والنظام المتعلقين بالضمان الاجتماعي .

(0) تعليقات


<<Home


.
.